جعلة غير ثابت علي رأي واحد في مسألة التعليل، ولذلك قال الشاطبي عنه: «و لما اضطر في علم الأصول إلي إثبات العلل للأحكام الشرعية أثبت ذلك علي أن العلل بمعني العلامات المعرّفة للأحكام خاصة» 1فهو لم ينسبه إلي نفاة التعليل بقدر ما هو بصدد بيان اللبس الذي وقع فيه في هذه المسألة، وفرق بين من التبس عليه الشي ء وبين من نفاه ابتداء، ولم ينفرد الشاطبي بهذه الإشارة بل تعرض إليه كثير من العلماء مثل:
-ابن تيمية حيث قال: «و أما الرازي فهو في الكتاب الواحد بل في الموضع الواحد منه ينصر قولا، وفي موضع آخر منه، أو من كتاب آخر ينصر نقيضه، ولهذا لما ذكر أن أجمل العلوم العلم باللّه وبصفاته وأفعاله ذكر أن علي كل منها إشكالا» 2.و بيّن أن أكثر ما يبدو إشكال الرازي فيه هو: مسألة الصفات والأفعال. قال ابن تيمية: «و قد اعترف الرازي بحيرته في مسائل الذات، والصفات والأفعال، وهو تارة يقول بقول هؤلاء، وتارة يقول بقول هؤلاء» 3.و سرد ابن تيمية أسماء أعلام عرفوا بالاختلاف في أقوالهم في المسألة الواحدة وعدّ منهم الرازي حيث قال: «و لهذا يوجد في كلامه 4نصر كلامهم 5، و إبطاله أخري فإنه كان ذكيا كثيرا الكلام والتصنيف، فيوجد له من المقالات المتناقضة بحسب اختلاف حاله، كما يوجد لأبي حامد، والرازي ... » 6.و ذكر ابن الوزير أعلاما للشافعية علي القول بالتعليلين ولم يذكر الرازي معللا ذلك بقوله: « ... وتركت الرازي لتعارض كلامه في ذلك» 7.و ليس الغرض من هذه النقول إثبات اضطراب الرازي بقدر ما أقصد بيان ثبوت الاختلاف في موقفه تجاه تعليل الأفعال. وما لي
(1) الموافقات، الشاطبي، 2/ 6.
(2) منهاج السنة، ابن تيمية، 3/ 68.
(3) درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، 5/ 112.
(4) يقصد به ابن عقيل الحنبلي.
(5) يقصد المتكلمين كما يدل عليه سابق الكلام.
(6) درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، 5/ 49.
(7) إيثار الحق، ابن الوزير، ص 190.