المبحث الخامس
فروق التعليل بين بعض الحروف المعلّلة
استعرضنا فيما تقدم حروفا استعملت لبيان علة احداث الفعل (سببا وغرضا) ، وبذلك افادت التعليل على ما وضحنا. على اننا لم نجد في تلك الحروف ما كان اصل معناه التعليل وهو موضوع له الا (كي) وهذه استعمالها مقيد بالتعليل بالغرض، وهي- اعني الحروف المعللة عدا (كي) - انما وضعت لمعانٍ اخرى- اشرنا اليها- هي الاصل فيها ومشهورة بها، وقد يخرج التعليل عليها، كما قد يكون لهذا المعنى الاصيل في تلك الحروف (او المعاني الاخرى) أثر في احداث معنى ملاصقا لمعنى التعليل فيكون مشربا به او موازيا له، ومن ثم قد يختلف التعليل من حرف الى آخر. ونحن هنا سنبين فروق التعليل بين بعضها ان شاء الله.
فرق معنى التعليل بين حروف الجر المعلِّلة
عرضنا في المباحث المتقدمة الحروف التي تفيد التعليل، وكان من بينها حروف جارة هي: اللام والباء وعن وفي ومن وعلى. وتبين لنا انها تفيد التعليل بالسبب غالبًا ويحسن مكانها لفظة (بسبب) ، وتفيد اللام - (وعن) ايضًا على قلة- فضلًا عن ذلك تعليلًا بالغرض.
وهذه الحروف على الرغم من اشتراكها في افادة التعليل بالسبب، لا يكون معنى التعليل بها دومًا متطابقا تمامًا، وتفصيل ذلك في ما يأتي:-
في حديثنا عن اللام ذكرنا ان اصل معانيها هو الاختصاص، ولاحظنا ان هذا المعنى يرافقها عندما تفيد التعليل، فقولنا: (حضرت للاستفادة) يكون الحضور فيه مختص بالاستفادة اذ هي سببه دون غيره.
وعند بعض النحاة ان معناها العام هو الاستحقاق لانه لايفارقها، وعند غيرهم الملك [1] . فقولك: (اكرمته لخلقه) فيه ان الاكرام مستحق بالخلق اذ الخلق سبب استحقاق الاكرام، وليس في التعليل باللام معنى الملك لان المسبب لايصلح ان يملكه السبب.
ومر في بحث الباء معنى الالصاق والاستعانة والمقابلة والتجريد فضلا عن التعليل، وتوضح لدينا ان الاستعانة والتجريد معنيان مستقلان عن التعليل، وعرفنا ان الالصاق اصل معانيها لذا قد يخرج التعليل عليه، وفيه يكون حدوث المسبب ملصقًا بحدوث السبب -ملازمة وايجابًا لازمانًا- فقولك: (كل امرئ يكافأ باجتهاده ويعاقب بتقصيره) فيه ان حدوث المكافأة والمعاقبة يلزمه حدوث الاجتهاد والتقصير فكانهما ملصقان بهما لا أنّ زمن حدوث المكافأة ملصق بزمن حدوث الاجتهاد اوهو استمرار له (وكذا زمنا المعاقبة
(1) ينظر الجنى الداني: 143، منهج السالك: 244.