وقد يؤيد ذلك قول الدكتور فاضل السامرائي: (( فهي - يعني(إنّ) - في الحقيقة ليست للتعليل المحض كـ (إنّ) وانما هي حكم عام وكلام مستانف فيه تعليل يشمل ما ذكر وما يذكر )) [1] .
اما ورودها اذا افادت جملتها تعليل ما قبلها فله فائدتان: الاولى انها للتوكيد، اذ تؤكد مضمون الجملة، والثانية انها للربط فتربط جملتها بسابقتها فتاتلفان، ويكون (( الكلام بها مستأنفا غير مستانف، مقطوعا غيرمقطوع معا ) ) [2] ، ولو اسقطت من الكلام لنبا ما بعدها عما قبلها، ولذلك قال عبد القاهر الجرجاني: (( هل شيء ابين في الفائدة وادل على ان ليس سواء دخولها - يعني(ان) - وان لا تدخل من انك ترى الجملة اذ هي دخلت ترتبط بما قبلها وتاتلف معه وتتحد به حتى ان الكلامين قد افرغا افراغا واحدا وكأن احدهما سبك في الاخر؟ هذه هي الصورة حتى اذا جئت إلى (ان) فاسقطتها رايت الثاني منهما قد نبا عن الاول وتجافى معناه عن معناه ورايته لا يتصل به ولا يكون منه بسبيل )) [3] .
فالتعليل في الايات الكريمة المتقدمة اذًا تعليل بجملة (ان) ،والذي يظهر لنا في تلك الايات وفي مثيلاتها ان العلة-وهي مضمون جملة (ان) - ليست غرضا، بل هي سبب في ما قبلها، ففي الاية الاولى قد نفى يوسف (- عليه السلام -) تبرئته لنفسه وهذا مسبب سببه مضمون جملة (ان ) ) وهو ان النفس امارة بالسوء. وفي الاية الثانية امر الرسول الكريم (- صلى الله عليه وسلم -) بالصلاة وهي الدعاء لهم والترحم عليهم، وسبب ذلك ان صلاته سكن لهم. اما الاية الثالثة فقد نُهي الناس فيها عن اتباع خطوات الشيطان، وسبب النهي ان الشيطان عدو لهم. ومثل ذلك قوله تبارك وتعالى: {فلا يحزنك قولهم انا نعلم ما يسرون وما يعلنون} (يس:76) .والملاحظ ان السبب (وهو مضمون جملة(ان) ليس مما يشترط فيه ان يتقدم على المسبب ذهنا وخارجا، فهو في الايات المتقدمة لمطلق الزمان (وهو الغالب في هذا التعليل) ، فكون النفس امارة بالسوء غير مقيد بزمن بعينه، وكذلك كون دعائه (- صلى الله عليه وسلم -) سكنا لهم، وكون الشيطان عدوا للناس، وان الله (- سبحانه وتعالى -) يعلم ما يسرون وما يعلنون. ومثل ذلك قوله عز وجل: {واستغفروا الله ان الله غفور رحيم} (البقرة: 199، المزمل:20) .
وقلنا ان اطلاق زمان مضمون الجملة غالب؛ لان الزمان قد لايكون كذلك، فقوله تعالى: {اذ راى نار فقال لاهله امكثوا اني آنست نارا} (طه:10) فيه ان مضمون جملة (ان) قد حصل في الماضي (القريب) ، وهو سبب امره لاهله بان يمكثوا، وهو متقدم عليه في الذهن والخارج، ولعل ما اعطى الدلالة على المضي هو كون خبر (ان) جملة فعلية فعلها ماض (انست) .
وقوله تعالى على لسان هابيل: {ما انا بباسط يدي اليك لاقتلك اني اخاف الله رب العالمين} (المائدة:28) فيه ان نفي بسط اليد للقتل سببه الخوف من الله تعالى، والخوف واقع في الحال، الا انه
(1) معاني النحو: 1/ 316.
(2) دلائل الاعجاز: 266.
(3) دلائل الاعجاز: 299. وينظر: حسن التوسل: 170 - 171، الطراز: 2/ 220، نهاية الارب: 7/ 80.