نخرج مما سبق بان (اذن) تدل في الغالب على الجواب والجزاء معا، وعندئذ تفيد ان مضمون جملتها مسبب عما قبلها. ووضوح السببية هنا ادى بعلماء اصول الفقة ان يجعلوها بمرتبة (كي) في افادتها التعليل، فوضعوها ضمن الفاظ النص القاطع الدال على العلية صراحة، وهو اقوى المراتب في الدلالة عليه [1] .وجعلوا منه قوله تعالى: {اذا لاذقناك ضعف الحياة وضعف الممات} (الاسراء:75) ومنه قول الرسول الكريم (- صلى الله عليه وسلم -) عندما سئل عن بيع الرطب بالتمر: (( ينقص الرطب اذا يبس؟ فقيل: نعم، قال: فلا اذا ) ) [2] ، قال الامام الغزالي: (( فيه تنبيه علىلعلة من ثلاثة اوجه، احدها: انه لا وجه لذكر هذا الوصف لولا التعليل به، الثاني: قوله(اذن) فانه للتعليل، الثالث: الفاء في قوله (فلا اذًا) فانه للتعقيب والتسبيب )) [3] .واقترانها بالفاء هنا يدل على مشابهة بينهما، وهي انهما يسبقهما السبب.
ومن ثم فان (اذن) تفيد التعليل، وهي عند التنوخي من البلاغيين تفيد التقرير والتعليل [4] . وتعليلها يكون بذكر السبب، فجوابك لما قال ازورك: اذن اكرمك، فيه ان (اذن) تفيد ان الاكرام متسبب عن الزيارة، والزيارة سبب سابق للاكرام ذهنا وخارجا. وكذا لوقيل: كثر كلام فلان، فيجاب: اذا سيسام سامعوه؛ فكثرة الكلام سبب سام السامعين. ومثله: ساغضي عن هفوتك ... اذن اعتذر عنها.
وواضح في هذه الامثلة ان ما قبل (اذن) هو السبب المباشر في مضمون جملتها، وليس الامر كذلك دائما، اذ قد يكون معكوس مضمون ما قبلها سببا في مضمون جملتها، كقولك: (ما جاءني في زيد وما ذهبت اليه، اذا لنفعته) فالمجيء والذهاب غير حاصلين (منفيان) ولو حصلا لكانا سببا للنفع. ومثل هذا كثير في القران، قال الله جل وعلا: {وما اتخذ الله من ولد وما كان معه من اله اذا لذهب كل اله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون} (المؤمنون:91) فذهاب كل اله بما خلق، وعلو بعضهم على بعض انما يتسبب من اتخاذ الله ولدا ومن وجود اله معه (جل الله عن ذلك وتعالى علوا كبيرا) .ومثل ذلك قوله: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك اذا لارتاب المبطلون} (العنكبوت:48) كتابا قبل القران او كتابته له (أي: كونه يقرا ويخط) ، فحصول هذين هو السبب في ارتياب المبطلين، وهما في الاية منفيان، غير حاصلين. وكذا قوله: {قل اني نهيت ان اعبد الذين تدعون من دون الله قل لا اتبع اهواءكم قد ضللت اذا وما انا من المهتدين ... } (الانعام:56)
فالضلال يتسبب عن اتباعه اهواءهم والحال انه لم يتبع اهواءهم، فالسبب هو معكوس ما قبل اذن.
(1) ينظر القياس: 253، وينظر التمهيد صفحة (8) من هذا البحث.
(2) مسند احمد بن حنبل:1/ 179.
(3) المستصفى:2/ 290، وينظر شفاء الغليل: 43.
(4) ينظر الاقصى القريب:10.