فلا يكاد يظهر أي أمل تتعلق به الأمة إلا بادر هؤلاء بمحاولة وأده في مهده، ولا تكاد توقد شمعة في هذا الظلام الدامس ألا أسرع هؤلاء بإطفائها.
إن المناصحة أمر مطلوب شرعا، والعاملون للإسلام آدميون، وكل ابن آدم خطاء، والعاملون للإسلام بحاجة دائمة لمراجعة أعمالهم وتصحيح أخطائهم في نقد ذاتي مستمر، إلا أن هنالك أمورا يجب أن يضعها (المحتسبون) على العمل الإسلامي في الحسبان، ومن هذه الأمور.
1)أن حال الاستضعاف الذي يمر به المسلمون اليوم هو حال يُعذر فيه الناس في مسائل لا يُعذرون فيها في حال التمكين، فإن الله عز وجل لا يكلف نفسا إلا وسعها، قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} ، وقال: {فاتقوا الله ما استطعتم} .
والمطلع على ساحة العمل الإسلامي اليوم يدرك كم هي الصعوبات التي تواجه العاملين، وكم هي الواجبات الملقاة على عاتقهم التي لا يستطيعون القيام ببعضها إلا على حساب البعض الآخر، فيدخلون في موازنة الأولوية والتقديم والتأخير بين هذه الواجبات ويخرجون بنتيجة هي تعجيل القيام ببعض تلك الواجبات ذات الأولوية وتأجيل البعض والعجز المطلق عن البعض الآخر.
وهؤلاء مأجورون فيما يقومون به من واجبات، ومعذورون فيما يعجزون عنه منها، فقد كان النجاشي رحمه الله -وهو ملك الحبشة- لا يستطيع القيام بكل الفرائض، ولا تحكيم كل الشرائع؛ لأن قومه يعارضونه في ذلك، ومع ذلك فقد كان مؤمنا صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب ودعا له، وكذلك كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله لم يستطع في بداية أمره أن يرفع جميع المظالم ويقيم جميع الحقوق، فأخذ في ذلك بالتدرج.
يقول ابن تيمية رحمه الله في هذا المعنى: (وأيضا فإن الله تعالى قد أخبر في غير موضع أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، كقوله تعالى {الذين ءامنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها} ، وقوله {لا تكلف نفس إلا وسعها} ، وقوله {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} ، وأمر بتقواه بقدر الاستطاعة، فقال: {فاتقوا الله ما استطعتم} ، وقد دعاه المؤمنون بقولهم {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} ، فقال: قد فعلت، فدلت هذه النصوص على أنه لا يكلف نفسا ما تعجز عنه خلافا للجهمية المجبرة، ودلت على أنه لا يؤاخذ المخطيء والناسي خلافا للقدرية والمعتزلة، وهذا فصل الخطاب في هذا الباب، فالمجتهد المستدل - من إمام وحاكم وعالم وناظر ومفت وغير ذلك - إذا اجتهد واستدل فاتقى الله ما استطاع، كان هو الذي كلفه