الصفحة 8 من 23

المبحث الأول: التحذير من الغلو في التكفير:

إن مما يميز الدين الإسلامي أنه دين وسط بين الأديان، كما تمتاز أمته بأنها أمة وسط بين الأمم، ويمتاز أهل السنة والجماعة من هذه الأمة بأنهم وسط بين فرقها، فهم في باب الصفات وسط بين المشبهة والجهمية، وفي باب القدر وسط بين الجبرية والقدرية، وفي باب الإيمان وسط بين المرجئة والخوارج.

فالوسطية إذن هي من خصائص هذا الدين، وخصائص هذه الأمة، وخصائص أهل السنة والجماعة.

ولما كان الغلو نقيضا لهذه الوسطية حذر صلى الله عليه وسلم منه أشد التحذير، فقال: (إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) .

ومن باب التحذير من الغلو حذّر صلى الله عليه وسلم من التشدد والتشديد في الدين، فقال: (لا تشدوا على أنفسكم فيُشدد عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع.

وقد شرح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله معنى التشديد المنهي عنه شرعا، فقال: (والتشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات، وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه في الطيبات) .

وكما حذّر صلى الله عليه وسلم من التشدد والتشديد، دعا إلى السماحة واليسر، وبيّن أنها من طبيعة هذا الدين.

فقد عقد البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه بابا أسماه"باب الدين يسر، وقول النبي صلى الله عليه وسلم أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة"وروى فيه حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدين يسر، ولن يًشادّ الدين أحد إلا غلبه، فسسددوا وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة) .

فقوله صلى الله عليه وسلم (سددوا) أي الزموا السداد، وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط، وقوله صلى الله عليه وسلم (لن يُشادّ الدين أحد إلا غلبه) .

قال فيه ابن حجر: (أي لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع، فيُغلب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت