إن من المبشرات الواقعية الكبيرة بالمستقبل المشرق لهذا الدين، والغد الواعد الذي ينتظر هذه الأمة، ظاهرة الصحوة الإسلامية المباركة التي أصبحت ملء أعين العدو والصديق على حد سواء، بعدما فرضت نفسها في الواقع، فدخلت كل ميدان، واقتحمت كل مجال، وتجاوزت أقطار العالم الإسلامي لتشمل قارات العالم المختلفة.
غير أن هذه الظاهرة المباركة رافقتها بعض الظواهر السلبية التي كدرت صفوها، وفي مقدمة هذه الظواهر السلبية ظاهرة التكفير والغلو في الدين التي ظهرت في أوساط بعض الشباب المسلم ممن قل حظهم من العلم ونصيبهم من التربية والفهم الصحيح لمنهج أهل السنة والجماعة في الحكم على الناس.
والغريب أن جهود الهدم والتفريق هذه التي يقوم بها بعض (المحتسبين) على العمل الإسلامي تأتي في هذا الوقت الذي بذل فيه الأعداء كل الجهود، واستنفذوا كل الطاقات في محاصرة وتفريق وهدم وإضعاف الصحوة الإسلامية المباركة التي أصبحت هي أمل الأمة وسبيلها للخروج من الوضع الذي آلت إليه حالها بعد أن نجح أعداؤها في القضاء على الخلافة الإسلامية، وتقطيع الأرض الإسلامية إلى أوصال وأشلاء ينتصب على كل قطعة حاكم عميل يسوس الناس بالظلم ويحكمهم بالكفر، ويخوض حربا ضروسا ضد الإسلام أصالة عن نفسه ووكالة عن أسياده، ويتآمر مع الأعداء على قضايا الأمة التي سخر خيراتها وثرواتها في مشاريع طمس معالم الإسلام في حياتها.
نعم .. تأتي انتقادات هؤلاء ومواقفهم هذه في هذا الوقت الذي تتم فيه تصفية القضايا الإسلامية على طريقة النظام العالمي الجديد .. هذا النظام الذي يشرف بكل أمانة على تصفية القضايا الإسلامية في فلسطين والبوسنة والشيشان على طريقته الخاصة .. هذا النظام الذي أعلن عن نفسه بغزو جزيرة العرب مهبط الوحي ومنبع الرسالة وبلاد الحرمين الشريفين، مسجلا بذلك أكبر عملية غزو صليبي للمنطقة، وكاشفا بذلك عن حالة من الضعف والانهيار في واقع الأمة يندى لها الجبين.
إن الذين تصدر منهم هذه الانتقادات الهدّامة ينطلقون من دوافع مختلفة بعضها حسن، لكنهم ينتهون إلى نفس النتيجة، وهي نزع ثقة الأمة من كل جهة تصدت للقيام بواجب الدعوة إلى الله وبيان الحق للناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل على التمكين للدين، فلا تكاد جهة تتصدى لهذه الواجبات أو بعضها إلا انهالت عليها سهام التشويه والتشنيع والتبديع والتشهير والتكفير ... إلخ.