في العاجل مع ما اعدّ لكم من الثواب الجزيل في الآجل إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم بجمعكم على الإسلام ورفع البغضاء والشحناء عن قلوبكم (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ) أي: بنعمة الله (إِخْوَانًا) متواصلين وأحبابًا متحابين بعد ان كنتم متحاربين متعادين وصرتم بحيث يقصد كل واحد منكم مراد الآخرين لان اصل الأخ من توخيت الشيء إذا قصدته وطلبته (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ) أي: وكنتم يا أصحاب محمد {- صلى الله عليه وسلم -} على طرف حفرة من جهنم لم يكن بينها وبينكم إلا الموت فأنقذكم الله منها بان أرسل إليكم رسولًا وهداكم للإيمان ودعاكم إليه فنجوتم بإجابته من النار وانما قال (فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) وان لم يكونوا فيها لانهم كانوا بمنزلة من هو فيها من حيث كانوا مستحقين لدخولها) [1] .
وكانت لدالة التأليف (التركيب) أهمية كبيرة في عرض فكرة النص، فذكر في البداية الأمر الدنيوي وهو الاختلاف والتنازع بينهم وذكر نعمة الله عليهم ان اصبحوا اخوانًا وهو أمر دنيوي أيضًا ثم ذكر بعد ذلك من نعم الله ان انقذهم من النار وهي من أمور الآخرة وبذلك تصاعد الحدث من الأمر الدنيوي إلى أمر الآخرة. وهذا التوازي التأليفي قد انعكس على استعمال (كان) ، و (اصبح) إذ نجد أن تقابلًا حاصلًا بين الأمرين الدنيوي والاخروي مع تغير في مقابلات الأفعال نتيجة لتغير الأمر من الدنيوي إلى الأخروي:
إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً ... فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا
وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ... [. . . . . . . . . . .]
إذ نجد أن الفعل (كُنْتُمْ) قابل الفعل (كُنْتُمْ) والفعل (فَأَلَّفَ) قابل (فَأَنْقَذَكُمْ) أما الفعل (فَأَصْبَحْتُمْ) فان مقابله والذي تقديره (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ منقذين) قد حذف لمناسبة أمر الآخرة التي لا يعلمها إلا الله فأنيط الأمر بعمل الإنسان في حياته قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7 ـ 8] ، وفضلًا عن التأليف و (التركيب) نجد ان دالة التضاد ودالة الطباق قد اسهمتا في بنية التوازي إذ صورتا حالة الانتقال والتحول من حالة إلى حالة أخرى، فوقع التضاد والطباق في قوله: (أَعْدَاءً) ،
و (إِخْوَانًا) ، وفي (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ) ، و (فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) .
(1) مجمع البيان في تفسير القرآن، لأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي، تح: هاشم الرسولي المحلاتي، دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان: 2/ 483.