الصفحة 204 من 392

يضم هذا الفصل مبحثين هما: مظاهر الخوف، وطرائق التكيف له، وكان من حقهما أن يفرّقا في فصلين مستقلين، بيد أنهما لا يرقيان في مادتهما منفردين إلى فصول الكتاب الأخرى من حيث عدد الصفحات فينجم عن ذلك تفاوت بفقد الكتاب التناسب في عدد فصوله.

المبحث الأول: مظاهر الخوف

يراد بالمظاهر الأمارات الجسدية والنفسية التي تنجم عن الخوف وتدل عليه، ولا شك في أن التعرض لانفعال الخوف تصحبه تغيرات نفسية وبدنية تخرج الخائف عن طوره الطبيعي وتحيد به عما اعتاد عليه من أمن واستقرار ودعة، وقد يضطر الخائف استجابة لدواع اجتماعية إلى كتمان إحساساته، بيد أن تكتم الحالة لا يمنع من ظهور دلائلها في تعابير الوجه والبدن أو في السلوك على نحو ينبىء عن وجود الخوف والإحساس به، فالوجوه مخبرة عما في القلوب [1] ، غير أن هذه الأمارات لا تدل على الخوف دائمًا، فقد يشترك هذا المظهر أو ذاك في الدلالة على أكثر من انفعال واحد، فالصياح مثلا ليس أثرًا ناجمًا عن الخوف وحده، فقد يدل على السرور والتعجب والألم، وكذلك البكاء يعد مؤشرًا إلى انفعالات متعددة من الحزن والألم والغيظ والخوف، ويقال الشيء نفسه عن الرعشة، فقد تشير إلى الخوف لكنها ليست خاصة به، فقد تحدث في أحوال أخرى كما تحدث على مدى إصابته بالبرد والغضب والفرح الشديد ... الخ. لكننا ندرس هذه المظاهر حينما تدل على الخوف وحده على وفق النصوص الدالة على الخوف في مضامينها، بيد أن هذا لا يعني أن الأمر سيقف عند حدود المظاهر الجسدية الناجمة عن الخوف حسب، بل هناك عناية مبذولة مماثلة بالآثار والمظاهر النفسية التي تنشأ عن الخوف والتي تفقد النفس هدوءها وسكينتها، وتجعلها هدفا سهلا للحيرة والاضطراب على نحو ما يعبر عن ذلك القلق والأرق وما إليهما.

ولا بد من القول أيضًا بأن هناك ضربًا من التداخل أحيانًا بين مظاهر الخوف وطرائق التكيف له، فالتبرير، والاعتذار والتملق، والرضوخ لإرادة المقتدر تصح لأن تكون مظاهر للخوف وسبيلًا للتكيف في

(1) ينظر: شرح ديوان زهير: 333.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت