تراود الشعراء أفكار، وتساورهم عواطف يخرجون بهما إلى متلقيهم من حيز الكتمان إلى حيز التصريح بوساطة اللغة لأنها الأداة المعبرة عنهما، والشعراء مختلفون في أنماط تعاملهم مع اللغة وسبل تطويعهم طاقاتها في التعبير عن تجاربهم الشعورية، ومن هنا اختلفت أساليبهم وتباينت أقدارهم في التعبير عن مقاصدهم. وقد يتفاضل متنازعو هذه المعاني بحسب مراتبهم من العلم بصنعة الشعر فتشترك الجماعة في الشيء المتداول، وينفرد أحدهم بلفظة تستعذب أو ترتيب يستحسن، أو تأكيد يوضع موضعه، أو زيادة اهتدى لها دون غيره، فيريك المشترك المبتذل في صورة المبتدع المخترع [1] ، والشعراء إذ يطمحون إلى بلوغ أعلى ما يصبون إليه من قيم التعبير والتأثير يخضعون لمؤثرات شتى منها التركيب النفسي الذي يمنح الألفاظ إيحاءاتها الدالة على ما تختلج به نفوسهم من معان تقصر لغة الواقع الخارجي المحددة بعالم الأشياء الحسي الإيفاء بها [2] .
ولما كان المزاج مختلفاً من شاعر إلى آخر فإن ذلك يقتضي أن تكون لكل شاعر لغة خاصة، ولايعني ذلك أنها لغة جامدة محدودة النمط، إنما هي لغة متغيرة ترافق التجربة، وتواكب الموضوع الذي ينظم فيه [3] ، فينتقي منها ما يناسب التجربة ے6يكشف _ن دقائقها بما تحمل من دلالات تفوق الدلالات الاعتيادية للألفاظ، فيدل ذلك على حذقه في انتخاب أقدر الألفاظ على التعبير وأحفلها بالظلال لإخراج المعاني مخرجاً يشف عن تجربته، ويدل على محتوى نفسه، فالشعر الحق فن والفن اختيار، اختيار المعنى بين آلاف المعاني، واختيار الشكل من حشد الأشكال [4] وليس الغرض من هذا الإنتقاء هو التوصيل وحده وإنما تصبح هذه اللغة غاية في ذاتها يسعى إليها، ويجد في طلبها كما يجد في طلب عناصر التعبير الأخرى للنفاذ إلى نفس قارئه وإثارة إحساسات مماثلة لديه، وعلى هذا فإن الشعر لا يقوم بجودة المعنى وروعته وقوة
(1) الوساطة بين المتنبي وخصومه: 186.
(2) في النقد الأدبي (ضيف) : 129، والأسس الجمالية في النقدالعربي: 310، والشعر واللغة: 5، ودراسة في لغة الشعر، رؤية نقدية: 14 - 15،والنقد التطبيقي والموازنات: 185.
(3) عيار الشعر: 8.
(4) دالية العديل: تحليل ودراسة (في مجلة) : 10.