الصفحة 351 من 392

ففي قوله (بُعيد الكرى) إيحاء بأن حلم الخلاص الذي كان يراوده في ذلك الظرف الرهيب قد تحقق في أواخر الليلة نفسها ولم يطل الإنتظار بالشاعر إلى أن ينبلج الصبح ويسفر النهار عن بياضه.

وقد يستمد الشاعر مادة صورته الفنية من أجواء الحرب اللاهبة على نحو ما فعل عنترة العبسي حين أظهر خوف أعدائه من خلال التضاد في صورتين نفى عنهم في أولاهما أمارات الفرسان الشجعان الذين تبدو آثار الحرب وتدوب المجالدة في وجوههم لأنهم يخوضون المعارك ويقارعون الفرسان وجهاً لوجه، وقد قايل الشاعر هذه الصورة المحمودة التي أقصاها عن مهجويه بصورة أخرى مذمومة عرض فيها جبنهم وخورهم في سوح الحرب، فهم مطعونون مضروبون في أكتافهم وظهورهم وهي كناية عن خوفهم الذي ينتابهم عند ملاقاة أعدائهم فيجزعون ولا يحتملون لأواء الحرب فيولون الأدبار تنهال عليهم ضربات مطارديهم:

إنَّ الكريمَ نُدوبُه في وجههِ ... وَ ندوبُ مرَّة لا تُرى في المَنْحَر

لكنّ في أكتافهم وَ ظهورهم ... فبذاك فافخرْ بِئْسَ ذاك المَفْخَرِ [1]

إن المتابعة المستقصية للصورة الفنية ومصادرها في شعر الخوف أظهرت قدرتها على رسم الأبعاد التي تنطوي عليها النفس حين تجابه بموقف مخيف أو مشهد مثير للفزع في الحياة، وقد تمكنت هذه الصور بحركتها النابضة من تجسيد الانفعالات والاهتزازات الكامنة وإخضاعها لدائرة الحواس معتمدة في ذلك على التشبيه والاستعارة والكناية لإغناء التجربة الشعورية وإثارة وجدان متلقيها.

يستمد الشعر نبضه من موسيقاه، هو بدونها لا حياة له، ولا مزيه فيه، والطرب الذي يحس به المتلقي حينما يسمع قصيدة مردّه في شطره الأعظم إلى ذلك البناء الموسيقي الذي ينتظم أبيات القصيدة، بيد أن ذلك الطرب يخف أو يتضاءل إذا ما فرّغنا الشعر من محتواه الإيقاعي، فإنه يقفد بريقه الذي كان النغم وراء سره لأن أهم ما يميز الصيغة الشعرية إنها صوتية، فالشاعر لا ينطق شعره فحسب، وإنما يحاول أن ينغمه، ينغم

(1) ديوانه: 328.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت