ألفاظه وعباراته حتى ينقل سامعيه وقارئيه من اللغة العادية التي يتحدثون بها في حياتهم اليومية إلى لغة موسيقية ترفعهم من عالمهم الحسي إلى عالمه الشعري [1] . إن تلك الإيقاعية التي تُمد سمة لازمة للشعر ترفده بها الموسيقى الخارجية المتمثلة بالوزن العام للنص الشعري وقافيته، فضلاً عن الموسيقى الداخليه المتمثلة بالنغمة المنبعثة من الوحدات اللغوية، ومن الجرس الخاص بالحروف والتلاؤم بينها، ولاشك في أن هذه الموسيقى تزخر بطاقات تعين الشاعر على خلق ماهيات انفعالية تعجز اللغة بدلالتها الوضعية عن خلق مثيلات لها، ولا بد من القول بأن شعر الخوف ليس موضوعاً شعرياً وإنما هو خاضع لموضوع القصيدة العام وبحرها فإذا نظمت القصيدة في الهجاء مثلاً فإن شعر الخوف لا يحيد عن البحر الذي نظمت عليه تلك القصيدة؛ لهذا ستتجه العناية في المقام الأول إلى الموسيقى الداخلية لقدرتها على تشخيص المعاني وجلائها باستيعابها أبعاد التجربة الشعورية في البيت الواحد أو في طائفة من الأبيات، فلكل بيت صوته الخاص وقيمته النغمية اللذان يأتيانه من طريقة سبكه.
لا شك في أن لكل لفظة دلالتها، ولا تختلف ألفاظ النثر عن ألفاظ الشعر على الرغم من أن مجموعة من النقاد ذهبوا إلى أن للشعر لغته الخاصة به [2] ، أن التراكيب وبناء الجملة في الشعر حالة تميزه عن النثر وما ذاك التأثير إلا نتيجة لدلالة هذا البناء الفني الجميل، فضلاً عن سحر موسيقاه سواء أكانت خارجية أو داخلية، فالشاعر العربي قبل الإسلام جسّد أبعاد المعايير الموسيقية في فنه الأصيل، ولم يبتعد بدلالة إيقاعه عن تراكيبه الدالة على مدلولاتها خوفاً أو شجاعة، فالشاعر ببنائه المقترن بالخيال تميز عن عامة الناس [3] ، لأن اللفظة بمعزل عن جارتها لا تشكل إلا دلالة اللفظة المعروفة سلفا في ذهن متلقيها، لذلك جعل عبد القاهر الجرجاني للصياغة جمالاً يختلف عن اللفظة المفردة من حيث أنها أصوات مسموعة، ولا يتم ذلك إلا بين معاني الألفاظ المتجاورة التي تتناسق وتتناغم [4] ، ولم يكن ما نظّر له عبد القاهر غائباً عن ذهن الشاعر العربي قبل الإسلام، إذ عمد إلى إحداث التناسق المطلوب ليحاكي به المعنى المراد بالإنسجام الوثيق بين الحروف والجوار
(1) في النقد الأدبي (ضيف) : 113.
(2) ينظر: لغة الشعر بين جيلين، واللغة الشاعرة، ولغة الشعر الحديث في العراق، وفن الشعر (هيغل) .
(3) ينظر: مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق: 16 - 18.
(4) دلائل الإعجاز: 37، وينظر: دور الكلمة في اللغة: 104.