أما بعد:
فقد استأثر الشعر العربي لعصر ما قبل الإسلام لسحر أدائه وسُمُوِّ مضامينه باهتمام الباحثين والدارسين من أبناء الضاد قدماء ومحدثين، كما حظي بعناية سواهم من المعنيين بالأدب والمنصرفين إلى شؤونه من أبناء الأمم الأخرى، وآية ذلك هذه المكتبة العربية الزاخرة بالدراسات عنه، والجهود الرامية إلى إدامة النبض فيه، فهو أدب حيّ ذو ألق يستجيب لكل داع ويلبي حاجة كل طالب، وقد بقيت ميادين واسعة منه ـ على كثرة من كتب فيه وخاض غماره ـ لم تمس إّلا مسًا طفيفًا فظّلت خافية على متلقيها تنتظر اليوم الذي ترود فيه أقلام الباحثين مجاهيلها، وتغور في أعماقها لتكشف عن دررها ونفائسها، وهذا يقتضي منا دراسة هذا الشعر على وفق رؤية تنطلق من أن النفس الإنسانية هي صانعة الأدب، وهذه النفس لا بد أن تدرس من خلال الأدب كما هي في علوها ودنوها، في نجاحها وإخفاقها، في تشاؤمها وتفاؤلها، في تحديها وانكفائها، في ضعفها وقوتها، وفي خوفها وأمنها لتكون صورة الأدب واضحة المعالم جلية الأبعاد، أما الميل إلى دراسة مسارات بأعيانها وأغفال ما عداها، أو الظن بقلة جداوها، أو التحرج من طرقها فذلك كلّه يضيع فرصًا لا يشك في الإنتفاع بها، ويدع الصورة ناقصة تبحث عن عوامل النضج والاغتناء، فالخوف في الشعر العربي قبل الإسلام الذي اصطفاه الكتاب عنوانًا له موضوع طريف في بابه، لم يلتفت إليه أحد من الباحثين على الرغم من أن ابن رشيق نبّه ـ حين ذكر قواعد الشعر ـ على عظم دور الخوف في تفتيق القرائح إذْ سلكه في عداد العوامل الباعثة على فن القول، ووضعه إلى جوار الرغبة والطرب والغضب وركوب الخيل [1] .
فإذا كان هذا الشعر في بعضه منبثقًا من الخوف ومتمخضًا عنه، فما أحرانا أن ندرسه بعناية لنقف عند جوانب الضعف الإنساني مثلما تدرس جوانب القوة فيه، لقد جدّ الباحثون في الشعر العربي قبل الإسلام فدرسوا الفروسية فيه، والبطولة والحماسة، فلم لا ندرس الخوف الذي لا يخلو منه إنسان؟
(1) العمدة: 1/ 95، 120.