والغارة الطحون التي يتوعد بها حسان بن ثابت خصومه تشيب لهولها الشابة العذراء:
تشيبُ الناهدُ العذراءُ منها ... ويسقُطُ من مخافتها الجنينُ [1]
وإمعان الفارين في الهرب على خيولهم يعجز مطارديهم عن اللحاق بهم لأن خيولهم سابحة في الجو وليست راكضة على الأرض لتُدرك، هذه الصورة المبالغ فيها يوافينا بها سلمة بن الخرشب بقوله:
نجوتَ بنصلِ السيف، لا غِمدَ فوقَهُ ... وَسرجٍ على ظهر الرِّحالة قاتر
فأثنِ عليها بالذي هِيَ أهلُهُ ... وَ لا تكفُرَنْها لا فلاحَ لكافر
فلو أنها تجري على الأرض أُدْرِكَتْ ... ولكنّها تهفو بتمثال طائرِ [2]
بيد أن هذه المبالغة المسرفة قد يلتمس لها العذر في أن الشاعر هنا في معرض إخافة الأعداء وإرهابهم ولا يجدُ ضيراً في وضعهم أمام صور مفزعة تخيفهم وتضعف معنوياتهم وكأنه بذلك يشن عليهم حرباً نفسية تسبق التقاء الجموع وقراع الكتائب.
إن النظر في أقوال الباحثين الذين أولوا الصورة الفنية عنايتهم وتحدثوا عنها تعريفاً ووظيفة [3] ، يقود الدارس إلى قناعة مفادها أن الصورة أداة مفضلة ووسيلة راقية يجنح لها الشاعر المبدع لتجسيم معانيه وإظهار عواطفه وتقريب أفكاره وجعلها شاخصة للعيان بالألفاظ [4] .
(1) ديوانه: 1/ 243، وينظر شرح ديوان لبيد: ق 29 ب 19/ 222.
(2) المفضليات: 37.
(3) ينظر: الصورة الفنية معياراً نقدياً: 159، والصورة الشعرية (ناجي) ، (في مجلة) : 7، والصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري: 30، وأصول النقد الأدبي: 250، والصورة الفنية في الشعر الجاهلي في ضوء النقد الحديث: 12 - 13، والصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب: 381.
(4) دلائل الإعجاز: 330، والصورة الشعرية (سي. دي. لويس) : 21.