شك في أن كل ما يرونه وهمٌ محضٌ ساقتهم إليه نفوسهم المفعمة بالرعب، تلك النفوس التي سحبت على أبصارهم صوراً لا وجود لها في واقع اللحظة المعيش فيها:
إذا بعُدوا لا يأمنونَ اقْتِرابَهُ ... تشوّف أهل الغائبِ المُتنَطَّرِ [1]
ويعدّ عزيف الجن الذي أمعن الشعراء في ذكره [2] لدى حديثهم عن الأسفار في الصحارى المهلكة ضرباً من الهلاوس السمعية الناجمة عن وحشة تلك القفار وكثرة أخطارها.
ونقصد بها الاجراءات التي يتخذها الخائف للتخلص من مشاعر الخوف التي تستولي عليه إزاء موقف مخيف سواء أكانت تلك الإجراءات سلبية أم إيجابية، فالخوف يضع الخائف أمام محنة تضطره إلى البحث عن حل أو معالجة لها، وله في ذلك سبل قوامها الاستسلام أو الهرب أو التحدي، وهذه السبل تتوقف على طبيعة المثير للخوف وقدرة الذات الخائفة على المواجهة والأساليب المتاحة له فيها، وقد توفر شعر الخوف على ذكر طرائق للتكيف منها له أو التخفيف من حدتها عليه، و قد يجد ضالته المنشودة تلك في الإسقاط النفسي، حيث يتم تبديل الخطر الذي يعسر على الذات التعامل معه إلى خطر خارجي يسهل على الذات التعامل معه والتعبير عنه [3] ، ومن هنا يعد الإسقاط وسيلة دفاعية تقي الفرد من ألم الإعتراف بعيوبه وأخطائه، ودوافعه غير المقبولة [4] ، فالمتلمس الضبعي الذي خشي العودة إلى العراق خوفاً من فتك الملك عمرو بن هند أسقط إحساساته المفزعة وعواطف حنينه الجارفة على ناقته ليحرر نفسه من بعض أوزار الخوف، ويطهرها من بعض أعباء الألم والحزن، فناقته يعصف بها الحنين إلى العراق لكنها لا تجرؤ على القدوم إليها ما دام الليل مخيماً عليها (عمرو بن هند) فهي تنتظر صبحاً مشرقاً يزيل خوفها (زوال عمرو بن هند) قائلاً:
(1) ديوانه: 73.
(2) ينظر على سبيل المثال: ديوان بشر بن أبي خازم: ق 41 ب 9/ 203. وديوان الأعشى: ق 4 ب 15/ 37.
(3) مبادىء علم النفس الفرويدي: 103، وعلم النفس عند فرويد: 106.
(4) علم النفس في حياتنا اليومية: 181.