الصفحة 272 من 392

حنَّتْ قلوصي بها والليلُ مُطَّرِقٌ

بعد الهدوّ وشاقَتْها النواقيسُ [1]

معقولةٌ ينظرُ التشريقَ راكبُها

كأنَّها مِنْ هوًى للرَّملِ مسلوسُ [2]

وَ قد ألاح سهيلٌ بعد ما هجعوا

كأنَّهُ ضَرَمٌ بالكفّ مَقْبُوسُ

أنّى طرِبتِ ولم تُلْحيْ على طَرَبٍ

ودون إلفكِ أمْرأتٌ أماليسُ [3]

حنّتْ إلى نخلةَ القُصوى، فقلت لها:

بَسْلٌ عليكِ أَلاَ تِلك الدهاريسُ

أُمِّيْ شآميّةً إذْ لا عِراقَ لنا

قوماً نودَّهمُ إذ قومُنا شُوسُ [4]

فالحوار الذي يديره الشاعر مع ناقته التي أسكنها حنينه وخوفه تتحول فيه صورة (أنا حانٍ، أنا خائف) إلى (هي حانة، هي خائفة) ، وهو إذ ينحى عليها باللائمة على هذا الحنين (أنى طربت) إنما ينحى على نفسه، فكيف الطرب إلى أرض تستقبل القادم إليها بالموت، وتئذ حنينه، بيد أن الشاعر صرفها عن هذا الحنين (وهو يصرف نفسه) الطاغي المهدد بخطر الموت إلى البديل المتمثل بأرض الشام حيث المودة والصفاء بعد أن نفص يديه من العراق الذي ينظر أهله إليه بأعين شوس مليئة بالبغض، موحية بالويل والثبور، لقد القى الشاعر ما في داخله على الناقة ليعبر من خلالها عن شعوره الحقيقي بحثاً عن التكيف الملائم للموقف الذي يتداخل فيه الحنين والخوف.

وينزل عامر بن الطفيل فرسة (المزنوق) منزل الإنسان يحاوره ويقوي فيه العزيمة ويحثه على الإقدام، ويبدو عليه الخوف في المعترك، وهو إذ يخاطبه بهذه المعاني إنما يخاطب نفسه التي يواجه بها هول الحرب، وأخطارها، فهي نفس مفرقة بين الرغبة في الثبات المجلل بالثناء، لكنه قد يفضي به إلى كارثة الموت، ورغبة أخرى تزين له الفرار المتبوع بالعار والخزاية، فليس له في الفرار عذر غير الخوف، فلم يبق أمامة إلا أن يصبرّ

(1) القلوص: الشابة من الإبل، مطرق: يتراكم.

(2) معقولة: شد وظيفها إلى ذراعيها، التشريق: إشراق الشمس، مسلوس: ذاهبة العقل.

(3) تلحي: تلامي، أمرات: جمع مرت، وهي الأرض التي لا نبت فيها، الأماليس: جمع الإمليس: وهي الأرض المستوية.

(4) ديوانه: 82 - 92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت