الصفحة 273 من 392

نفسه عند أهوالها، فالفرار لا يليق برجل فارس ماجد العرق مثله، وما الضمير (أنت) في قوله: وأنت حصان ماجد العرق فاصبر إلا (أنا الشاعر الخائف) من أن يلقى يوما مذموما ذا معرة كيوم المشقر، لقد حمل الشاعر الضمير أنت (الحصان) كل ما انطوى عليه (أناه) من عواطف، ورغائب، ومخاوف:

وقد علِمَ المَزْنُوقُ أنّي أكرُّه ... عشيّةَ فيفِ الريح كرَّ المُشَهَّرِ [1]

اذا ازورَّ مِنْ وقْعِ الرماح زجرتُهُ ... وَ قلتُ له: ارْجِعْ مُقبِلاً غيَر مُدْبِر

وأنبأتُهُ أنَّ الفِرارَ خزايةٌ ... على المرء ما لم يبل عذرا فيُعْذَر

ألستَ ترى أرماحهم فِيَّ شُرّعاً ... وأنت حصانٌ ماجدُ العِرْقِ فاصْبِرِ [2]

وفرس عنترة معادل لعنترة نفسه ينقل إليه مشاعره، ويخلع عليه مخاوفه ليسهل التعامل معهما بعد القائهما على الخارج الذي هو فرسه قائلاً:

فازْوَرَّ مِنْ وقع القنا بِلَبانِهِ ... وَشَكا إليَّ بعَبْرةٍ وتحمحُم

لو كان يدري ما المحاورةُ اشتكى ... أوْ كان يدري ما جوابُ تكلُّمي [3]

والشعراء الأجواد الذين يصرون على فعل الجود يسقطون ما في دواخلهم من إحساسات الخوف على العاذلة، وينفون تلك المشاعر عن أنفسهم ليضفوا على فعلهم طابع الجرأة على تحدي عوامل الخوف والخشية من الفقر وسط أصوات منادية بالإمساك، ومحذرة من البذل والإنفاق، قال حاتم الطائي:

وعاذِلَةٍ هبّتْ بليلٍ تلومُنِي ... وَقد غاب عَيُّوقُ الثريا، فعرَّدا [4]

تلومُ على إعطائيَ المالَ، ضِلَّةً ... إذا ضنّ بالمال البخيلُ وصرّدا [5]

(1) المشهر: أشهر خيل العرب الكريمة.

(2) ديوانه: 61، وينظر له: ق 41 ب 4 - 5/ 99.

(3) ديوانه: 217 - 218.

(4) العيوق: نجم يتلو الثريا ولا يتقدمها، عرد: مال للغروب.

(5) صرد: قلل العطاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت