تقولُ: ألا أَمْسِكْ عليكَ، فإنني ... أرى المال، عند الممسكين، معبَّدا [1]
وينحو الشعراء الفرسان منحى الأجواد، فينسبون إحساسات الخوف المائرة في داخلهم إلى العاذلة لينفردوا في إطار الصيغة الشعرية بموقف الشجاعة ... وكأنما يسعون إلى تقرير إيمانهم بأن الشجاعة التي لا يستلها الشاعر من بين كل عوامل التردد والنكوص تبقى محض تهور لا شموخ فيه [2] .
وقد احتفظ عنترة ـ في الحوار الذي دار بينه وبين عاذلته ـ بالجانب المتحدي لنفسه، وأسقط على عاذلته مشاعر الخوف التي هي جزء من مشاعره التي يحاول الغاؤها أو تخطيها باتجاه فعل التحدي، قائلاً:
بَكَرَتْ تخوِّفني الحُتوفَ كأنّني ... أصبحتُ عن غرض الحتوفِ بمِعزل
فأجَبْتُها: إنّ المَنيّةَ منْهلٌ ... لا بدّ أنْ أُسقى بكأسِ المنْهَل
فاقْنَيْ حياءَكِ لا أبالك، واعلمي ... أنّي امْرُؤٌ سأموتُ إنْ لم أُقتلِ [3]
الإعتذار:
وقد يكون الخوف باعثا على الإعتذار، فالمرء يعتذر إلى المساء إليه حينما يكون مذنباً أو كالمذنب، ومن هنا يكون الإعتذار ناجماً عن الخوف من الآثار المترتبة على الإساءة وهو في الوقت عينه سبيل من سبل التخلص من ذلك الخوف الذي يعتري المعتذر ويقلق باله، فالمعتذر في هذا المضمار يرهب العقبى ويرجو النعمى ويشكر الحسنى [4] استجابة لدواعي التهديد والوعيد بالقتل والإبعاد، فيجد في الإعتذار الوسيلة المثلى لتجسيد احساساته، وتقديم حججه لاستمالة قلب المعتذر إليه لرفع الجفوة أو تبرئة الذمة ونيل الصفح، والظفر بالطمأنينة، وما اعتذارية عمرو بن قميئة إلى عمرو بن هند إلا صدى لذلك
(1) ديوانه: 40، معبد: المكرم كأنه معبود.
(2) دراسات نقدية في الأدب العربي: 27.
(3) ديوانه: 251 - 252.
(4) تأريخ الأدب الجاهلي (العصر الجاهلي) : 211.