الصفحة 326 من 392

ولا شك في أن الذي يعقد الصلة بين العقل والحواس ويوطد الآصرة بينهما لخلق الصورة الأثيرة هو الخيال الخلاّق الذي يشدنا إلى الصورة شداً بالغاً ويجعلنا نفضل أو نرتاح أو ننجذب إلى صورة الأشياء دون الأشياء ذاتها [1] ، وهو بهذا يبعد الصورة عن المطابقة الحرفية مع العالم الخارجي تلك المطابقة التي تقضي على كل إثر إيحائي في متلقيها وتحول دون تأملها تأملاً فاعلاً، لكن الخيال الذي يشكل الصورة ليس خيالاً مسرفاً مجافياً للصدق قريناً للاختلاق المحض، إنّما هو خيال متزن يلفت الانتباه ويوقظ المشاعر بالاصباغ التي يلون بها الحقيقة الأساس [2] ، ولهذا فإن الخيال الذي يخرج عن أبعاد وظيفته في توفير الإيحاء المراد للصورة يفقد الصورة حيويتها ويصرفها عن الصدق الفني وينزع بها إلى التكلف الممقوت والمبالغة المبتذلة، فمهمة الصورة الفنية هي نقل المعاني ملونة بالخيال، وعلى قدر من الطرافة التي تجتذب المتلقي بأسرارها وعلاقاتها الخفية وتقود إلى المشاركة والاستجابة اللتين قلّما يستشيرهما الأداء المباشر، والطريقة المألوفة في القول وهي على وفق هذا الفهم قرينة اللوحة الفنية التي يبدعها الفنان بريشته إذ أن هذه اللوحة لا تنقل الموجودات الحسية نقلاً حرفياً مطابقاً لما هي عليه في الواقع العياني المرصود، وإنما يضيف إليها الفنان ويعيد تشكيل صياغتها التصويرية بما يتمشى ومشاعره، وأفكاره ومواهبه فتكون مزيجاً من الشعور والحس من واقع الموجودات العياني وواقع الفنان النفسي [3] .

فالصورة الفنية بناء لغوي يشكله الخيال للتعبير عن عواطف المبدع وأفكاره مقيساً على الحواس وقائماً على التشبيه أو الاستعارة أو الكناية أو الرمز، وقد توفر الشاعر العربي قبل الإسلام على الصورة الفنية مستعيناً بها في بيان إحساسات الخائفين مستمداً عناصرها ومادتها الأساس من واقع الحياة اليومية وطبيعة البيئة ومشاهدها المتنوعة لخلق الدلالات الموحية بما تساوره والانفعالات النفسية التي تنطوي عليها ذاته. فقد وقف عند زوايا الضعف في تلك العناصر التي تستجيب للخوف وتعبر عن معناه، بيد انه لم يغفل ذكر عوامل القوة في تلك العناصر، والتهويل من شأنها كلما أراد لها أن تكون عناصر مثيرة للخوف

(1) الشعر بين الواقع والإبداع: 77، والخيال في الشعر العربي: 69.

(2) اتجاهات الغزل في القرن الثاني الهجري: 431، ووظيفة الأدب بين الالتزام الفني والانفصام الجمالي: 63، ومحاضرات في عنصر الصدق في الأدب: 53،55، والخيال في الشعر العربي: 69.

(3) الصورة الشعرية (ناجي) : 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت