الصفحة 327 من 392

وباعثة على الرهبة، كما أن ما ترسخ في ذهنه من معتقدات وأساطير وخرافات أكسبت صوره أحياناً خصباً وامتلاء، وعلى هذا سندرس الصورة الفنية في ضوء المنابع التي استقت منها مادتها، وهي ثلاثة، عالم الحيوان، وعالم الإنسان، والحياة الاجتماعية، والبيئة الطبيعية، ففي عالم الحيوان حظيت الإبل بنصيب وافر من اهتمام الشاعر في بناء الصورة الفنية، فلبيد بن ربيعة العامري الذي ذهب الزمان بأعمامه وأبنائهم الذين كانوا حصناً حصيناً له، ورمزاً لعزته ومنعته قد عاد فريسة سهلة للوحشة، ونهباً لمشاعر الخوف والإشفاق على النفس في ظل الإنفراد وغياب السند المظاهر، وقد نقل ذلك الواقع النفسي المتأزم إلى متقليه في مشهد منظور ألفته البيئة العربية قائلاً:

أصبحتُ أمشي بعد سلمى بن مالكٍ ... وَ بعد أبي قيسٍ وَ عروةَ كالأَجَبْ

يضجُّ إذ ظلُّ الغرابِ دنا له ... حذاراً على ما في السناسِن والعَصَبْ [1]

فصورة البعير الأجب (المقطوع السنام) الذي أصبحت بقايا سنامه عرضه لهجمات الطير صورة منتزعة من معطيات بيئة الشاعر، وقد صيّرها معادلا موازياً لمكنون نفسه المترعة بالوساوس، ومشاعر الخوف والكدر من الدهر والناس من حوله، ولا بد من الالتفات إلى لفظة (سنام) وما توحي به من معاني القوة والعلو اللذين أحس بهما الشاعر يوم كان محفوفاً بمؤازة أعمامه، بيد أن ذلك الإحساس قد توارى عنه بفقدهم، وهنا يعرض علينا الشاعر صفحة نفسه عبر هذه الصورة البصرية، صورة البعير الأجب الذي يخشى الغراب ويحذر دنوه منه لئلا ينهال على قفا ظهره، وموضع جرحه الظاهر المكشوف نقراً، لقد استطاع الشاعر قيادة الصورة في الإتجاه الذي يوقظ لدى المتلقي انطباعاً يعين على فهم حركة نفسه، وهو بهذا ينبئ عن شاعريته الحقة إذ يخرجنا من عالمنا الحقيقي إلى عالمه النفسي [2] .

ويشكل النابغة الذبياني صورة ساخرة لمهجوه (عيينة) يكشف فيها عن جبنه وقلقه وخرقه ويقرنه بالجمال النافرة:

(1) شرح ديوانه: 1.

(2) في النقد الأدبي: (ضيف) : 149.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت