أَتخذلُ ناصري، وتُعزُّ عبساً ... أيربوعَ بنَ غَيْظٍ للمِعَنِّ [1]
كأنَّكَ من جمالِ بني أُقُيْشٍ ... يُقَعْقعُ خلفَ رجليه بشنِّ [2]
كان بميسور النابغة أن يشبه خصمه بالجمال النافرة مطلقاً لتقرير المعنى المراد الذي هو (الخوف) بيد أن هذا التشبيه لا يرضي الشاعر الفنان فعمد إلى وضع المشبه به في إطار محدد مخصوص (جمال بني أقيش) لتنبعث منه الدلالات المبينة مستوى الخوف الكامن أصلاً في نفس المهجو، فجمال بني أقيش غير عتاق، مضروب بها المثل في النفار، ثم أراد أن ينقل المهجو إلى مستوى آخر من الخوف تحت وقع مؤثر جديد فوجد ضالته في صورة الجمال الأقيشية متبوعة بقعقعة الشن، وتلك أشد لنفارها، وأدعى لفرارها، وهي حال تتناسب طرداً مع حدة الخوف المستبد بالجمال أو لنقل بالمهجو نفسه. لقد طوّع الشاعر المشهد الخارجي لاستكناه الفزع الغائر في أعماق (عيينة) فهناك مثير للخوف، وهناك استجابة له، فالمثير سمعي (شنّ يقعقع) والاستجابة داخلية نفسية (الخوف) وقد جسدها بمظهر من مظاهر الخوف الحركية الذي هو (الفرار) .
وإذا أراد الشاعر أن يصف ناقته بحدة النشاط وسرعة العدو وفرّ لها كل دواعي الخوف وبواعث الذعر التي تحفزها على الإندفاع والنفار كأن يسخر لها هراً يوسعها خدشاً وعضا فيهيجها ويقلقها وينزع بها إلى الجزع، قال المثقب العبدي:
كأن جنيباً عندَ مَعْقِدِ غَرْزِها ... تراوِدُهُ عَنْ نفسِهِ ويريدها [3]
أما أوس بن حجر فقد منح صورته في هذا المضمار دقة أكثر وإيحاء مضاعفاً حينما حشد ثلاثة حيوانات تضافرت على إثارة ناقته وذلك أدعى لنشاطها، وأظهر لسرعتها، ومما زاد صورته فاعلية في الإيحاء تفريقه تلك الحيوانات على أبعاد مختلفة من بدنها وكأن كُلاًّ موكول بكلٍّ حتى غدت أعضاء الناقة في إثر ذلك وكأن بعضاً يحث بعضا على الشد والفرار قائلاً:
(1) المعنّ: العريض، الذي يتعرض لك، فهو يتعجب لبيَّنة المتعرض لما لا يعينه.
(2) ديوانه: 126، بنو أقيش: فخذ من أشجع، الشن: الجلد البالي.
(3) ديوانه: 95، وينظر له: ق 5 ب 22/ 170، وديوان امرىء القيس: ق 4 ب 27/ 63، وق 3 ب 10/ 170، وديوان الأعشى: ق 3 ب 13/ 27.