الصفحة 329 من 392

كأنّ هرَّاً جنيباً تحت غُرْضتها ... واصْطَكَّ ديكٌ بِرِجْلَيْها وخِنزِيرُ [1]

وتطالعنا فنية الأعشى بصورة تمكن بها من إحالة واقعه النفسي غير المنظور إلى واقع عياني منظور مشخص متخذاً الناقة عنصراً مهماً في خلقها ومؤشراً أساسياً لرسم أبعادها في قوله:

فإنّي ـ وجدِّك ـ لولا تجئْ ... لقد قلِقَ الخُرْتُ أنْ لا انتظارا [2]

كطوْف الغريبة وسط الحياضِ ... تخافُ الردى وتريد الجفارا [3]

البيتان يصوران وضعاً شاع فيه الاضطراب، وذهب عنه الأمن، واستشعر فيه الشاعر الخوف والحيرة قبل قدوم ممدوحه (قيس بن معد يكرب) ،فالشاعر كالناقة الغريبة المتخبطة على غير هدى، بيد أنه لم يصرح بلفظة الناقة، إنما أقام الصفة (الغريبة) مقام موصوفها ليصرف عناية المتلقي برمتها إلى الصفة، ويشد إحساساته إليها لما تختزنه هذه المفردة من دلالات الانفصام والوحشة التي تتلاءم مع مشاعرالشاعر المنبثقة من مقتضى حاله التي سادها القلق والتوتر والحيرة فضلاً عن المكان الذي حلت فيه الناقة، وهو أرض مجهولة مضلة، ممتدة الأبعاد مترامية الأطراف تثير في سالكها مشاعر الخوف، غير أن هذين العاملين المعبرين عن الأجواء النفسية الموصوفة لم يبلغا به مستوى اليأس والاختناق التامين اللذين يلغيان تطلعه ويطفئان بارقة الأمل فيه، فهو يخاف الردى لكنه في الوقت عينه يتطلع إلى الجفار وإلى الحياة وإلى البطل المبحوث عنه والمنقذ المنتظر الذي يعيد الأمور إلى طورها الطبيعي الآمن، فكان ممدوحه ذلك البطل الذي أنجاه من محنته المرعبة باشاعته الأمن وإقامة الأمر بعد فساد بدلالة قوله (لولا تجىء) .

لقد بدت الإبل في الصور التي عرضنا لها خائفة مذعورة، أو مثالاً للخوف يقاس به خوف الخائفين، لكن الشاعر العربي قبل الإسلام التفت إلى جوانب أخرى من أحوالها استحضرها في مشاهد

(1) ديوانه: 42، الغرضة: حزام الرحل.

(2) قلت خرت فلان: فسد أمره.

(3) ديوانه: 51، الجفار: الآبار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت