الصفحة 330 من 392

يظهرها فيها مخيفة مفزعة منفرة على نحو يستوجب الحذر ويقتضي اليقظة والانتباه دفعاً للخطر، وتحاشياً لسوء العاقبة، قال عبد خفاف بن قيس البرجمي:

وإذا لقيتَ القومَ فاضربْ فيهمُ ... حتى يروك طلاءَ أجربَ مهملِ [1]

فالشاعر يوصي ابنه جبيلاً بالصبر عند المجالدة، والثبات ساعة المنازلة ليبث الرعب في افئدة خصومه حتى يتقوه ويتحاموه كما يتقى البعير الأجرب المقطور الذي تأبى الإبل الصحيحة السليمة الدنو منه حفاظاً على سلامتها، فالأعداء ينفضون من حول هذا البطل فراراً مثلهم في ذلك مثل إبل صحاح أقصيت عن جرباها، ومثل ذلك قول حسان بن ثابت:

يُطيفُ بكم من النجّار قومٌ ... كأُسدِ الغاب مَسْكَنُها العرينُ

كأنَّا، إذ نُسامِيكُمْ رِجَالاً ... جِمالٌ حين يجتلدون جُونُ [2]

هذه الصورة شبيهة بالتي مضت غير أنها تتميز عليها فناً، وتفوقها إيحاء لأنها لا تعبر عن نفسها بسهولة ويسر، فهي صورة لونية عبرت عن محتواها المتمثل بالخوف بلفظة (جون) الواردة في البيت الثاني والمقصود بها الجمال المهنوءة، ولا يمكن استيعاب هذا المعنى المراد إلا بوسائل متعددة متدرجة، فالجون جمع الجون وهو الأسود، والسواد إشارة إلى لون القطران، والقطران طلاء الجربى التي تعمل على الانقباض والنفور وعلى وفق هذا الجمع بين طرفي التشبيه نفى الشاعر الخوف عن قومه الشجعان عند المجالدة، ورمى به أعداءه أن الموازنة السريعة بين هذه الصورة والتي تقدمتها في قول البرجمي تُرينا أن الصورة الأولى كانت أقل تأثيراً من التي تلتها لأنها كشفت عن فحواها في زمن قصير لوضوحها، بينما احتاجت الثانية إلى وقفة أطول، وتأمل أدق، وكأن الشاعر قد أبقى للمتلقي مهمة الكشف عن الدقائق بما يملكه من قدرة على إدراك الإيحاءات وتمثلها ليتمكن من توضيح ما تخلى الشاعر عن البوح به، لأن المتلقي جانب مشارك

(1) المفضليات: 385.

(2) ديوانه: 1/ 243.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت