الصفحة 331 من 392

وطرف فاعل وإن فاعليته لا تقل عن فاعلية الفنان ذاته من حيث إعطاء الصورة أبعادها النهائية التي تحدد دورها في العمل الفني، وعلاقتها به [1] .

وحين يحاول الشاعر أن يقدم صورة الحرب للناس (المعنى الذهني) يقدمها على نحو بشع مخيف، فيعمد إلى الناقة يستمد مادة صوره منها على غرار ما فعل زهير بن أبي سلمى في قوله:

وما الحربُ إلا ما علمْتُمْ وذُقْتُمُ ... وَ ما هو عنها بالحديثِ المُرجَّم

متى تبعثُوها تبعثُوها ذميمةً ... وتضْرَ، إذا ضرّيتموها، فتَضْرَم

فتعْرُكْكُمُ عَرْكَ الرَّحا بثفالها ... وَ تلقحْ كشافاً ثم تنتج فَتُتْئِمِ [2]

فالشاعر من خلال استعارته المكنية، استحضر في ذهنه بعضا من الموروث الأسطوري ليبني عليه فنه، فالناقة في أساطير القدماء رمز مرتبط بالشؤم والفناء بعد أن وقر في نفوس القوم ما أصاب قوم عاد الأولى من هلاك وتدمير في أعقاب عقر ناقة صالح (عليه السلام) ، فناقة عاد التي استعارها زهير للحرب لا تلد إلا الشؤم من الذراري، ولا تجلب سوى الشر، وهذه الصورة تكشف عن أصالتها وقيمتها الفنية بدلالاتها الموحية بالاثار التي تحدثها في نفوس متلقيها من قبح وكراهية وخوف ونفور قبالة الحرب، وتلك هي وظيفة الأسطورة في الأدب إذ تكشف وتجسم لكونها رسالة مرسلة من النفس إلى النفس، لغة خفية تمكننا من معالجة الوقائع الداخلية كما لو كانت وقائع خارجية [3] .

واستمد الشعراء من الضأن أيضاً عناصر لبناء صورهم المعبرة عن أحوال الخائفين في مواقف الرهبة:

لقينا جمعهم صُبحاً، فكانوا ... كمثلِ الضأنِ عاداهُنَّ سِيدُ [4]

(1) جدلية الخفاء والتجلي: 43، وينظر: دراسة في لغة الشعر: 41، 45 والتركيب اللغوي للأدب: 136، والشعر الجاهلي منهج في دراسته وتقويمه: 1/ 162.

(2) شرح ديوانه: 18 - 21.

(3) خمسة مداخل إلى النقد الأدبي: 268.

(4) ديوان عامر بن الطفيل: 50 عاداهن: من العدو، أي نفروا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت