الصفحة 332 من 392

فالشاعر ينقل إلينا صورة لهجوم جيش قومه على جيش أعدائهم وما أصاب أولئك المعادين من خوف وهلع أرغماهم على الهزيمة المنكرة والفرار المعيب، وقد وجد الشاعر بغيته في تجلية هذا المشهد المثير في صورة الضأن وقد عاث فيها الذئب، فولت هاربة متفرقة لا تلوي على شيء.

أما الحية فقد أسهمت في تشكيل الصورة الفنية لتلك النفس القلقة المضطربة لنابغة بني ذبيان في إثر الوعيد الذي تلقاه من الملك النعمان قائلاً:

فبِتُّ كأنّي ساورتْني ضئيلةٌ ... من الرُّقْشِ في أنيابها السّمُّ ناقعُ

يُسَهّدُ من ليلِ التِّمام سليمُها ... لِحَلْيِ النساءِ في يديه قعاقعُ

تناذَرَها الرَّاقُونَ من سوء سُمِّها ... تُطلِّقه طوراً وطوراً تراجعُ [1]

فالشاعر قد أنزل نفسه وهومطوق بالهواجس والمخاوف منزلة من لسعته أفعى ضئيلة سرى سمها في جسده فبات مبيت سوء يتململ في فراشه، لا يواتيه الرقاد، ولأجل أن يطلع متقليه على الأبعاد الكاملة للخوف المستبد به استقصى أوصاف تلك الأفعى الفاتكة، وحرص على أن تكون مهولة موازية لاحساساته المضطربة وواقعه الباطن، فأفعاه رقشاء، والسم في أنيابها ناقع، فضلاً عن ذلك فإن الشاعر هول الموقف أكثر فأكثر حينما جعل الناس من حوله يرهبون ويفرقون مخافة أن تودي الحال بحياته فيعلقون عليه الحلي أملاً في شفائه ورجاء لسلامته، وهي صورة انتقاها الشاعر من البيئة العربية التي وقرت في نفوس أبنائها فكرة مؤداها أن الأرواح الشريرة تنفر من قعقعة المعادن، ثم بدا للشاعر أن بناءه الفني لم يعادل بعد واقعه النفسي، لذا استعان بمؤثر جديد تآزر مع المؤثرات السابقة لبيان شدة الخوف الذي انتابه فصيَّر الراقين يتناذرون فيما بينهم لما آل إليه المنهوش من مصير ينذر بقرب النهاية وانطفاء الحياة، لقد بينّ النابغة وقع وعيد النعمان عليه على نحو تضافر فيه السمع (قعاقع) واللمس (ساورتني) والذوق (ناقع) والبصر (الرقش) فلفظة الرقش رفدت الصورة باللون الموحي بالشدة والقسوة والإثارة والاضطراب وأغنتها بحالة شعورية لم يكتب لها الكمال بدونها، لأن استخدام الشعراء للألوان لم يقف عند حد تخطيط الصورة أو إبرازها بالشكل الذي يحققه لها اللون، وإنما كان الدافع لذلك إلى جانب هذه العوامل- هو جعل هذه الصورة

(1) ديوانه: 33 - 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت