محفوفة بإطار من الأبعاد المتحركة بذاتها تضفي عليها الألوان ميزة ربما كانت تفتقر إليها قبل الإضافة ... لقد أدرك الشاعر الجاهلي خاصية الألوان، وأدرك قدرتها على التعبير فاستعملها استعمالا موفقاً، واستخدم منها ما كان متفقا مع أحواله وظروفه ونفسيته [1] .
لقد كشف الذبياني عن طبيعة معاناته النفسية وحدد أبعادها في أداء باتت فيه الصورة وثيقة الصلة بذهنيته وخياله، بيد أن جابر بن حني التغلبي حينما قصد إلى إظهار قومه الشجعان في أعين خصومهم بمرأى مرعب مفزع قرنهم بالحية قائلا:
يرى الناسُ منّا جلدَ أسودَ سالخٍ ... وفروةَ ضرغام من الأُسْدِ ضيغمِ [2]
ففي الصورة الحية توحي المتابعة اللونية (السواد) ببواعث الرهبة والرعب، وقد جرى تأكيدها مرتين: الأولى في (أسود) الذي يعني العظيم من الحيات مقروناً باللون الأسود والثانية في لفظة (سالخ) التي تعني الحية الشديدة السواد وهي أقتل الحيات، فضلا عما تحمله لفظة (سالخ) من دلالات القوة المتواصلة والتجدد الدائم اللذين عدها الشاعر مبعث خوف الناس منهم، فقد تجاوزت اللفظة اللغة الدلالية واكتسبت فيضاً إيحائياً مستمداً من ذلك الإعتقاد المختزن في اللاوعي الجمعي الذاهب إل أن الأفاعي أطول الحيوانات عمراً لقدرتها على تجديد شبابها، وإعادة عنفوانها على الدوام بتغيير جلدها كل عام.
وللأسد نصيب في تشكيل الصورة الفنية في الخوف لما يتصف به من بأس شديد، وقدرة على إفزاع النفوس. ألم يقرن النابغة وعيد الملك النعمان بزئير هذا الحيوان المفترس المخيف ليجعله علة لأرق ليله وقلق نهاره؟ حين قال:
أُنْبِئْتُ أن أبا قابوسَ أوعدني ... ولا قَرارَ على زأرٍ من الأسدِ [3]
(1) دراسات في الشعر الجاهلي: 162.
(2) المفضليات: 212، وينظر: ديوان قيس بن الخطيم: ق 15 ب 10/ 183.
(3) ديوانه: 26.