الصفحة 334 من 392

في هذا التشبيه الضمني صورة لرجل أطبق عليه الفزع من وعيد ملك له في النفوس رهبة وسلطان، وعيده ينذر بالويل والثبور كما ينذر زئير الأسد بالفتك وفظاعة البطش، فقد اصطفى الشاعر لفظة (زأر) لأنها اكثر استجابة من غيرها لدواعي نفسه الخائفة، وقد ألح على أن يكون مصدر الخوف سمعياً إذ قال (على زأر من الأسد) ولم يقل على رؤية الأسد، ليؤكد خوفه من النعمان على بعد مكثه منه، والصوت أكفأ من سواه للنهوض بهذا الإيحاء لقدرته على الامتداد والنفاذ إلى الأماكن النائية واجتياز الحواجز المانعة، فضلاً عن صعوبة تحديد الموضع الذي يصدر عنه الصوت المفزع فيكون الخائف في حيرة من أمره يتوقع مداهمة الخطر من كل جهة مما يجعل الهرب محاولة عابثة لا تغني فتيلاً في النجاة، ولكل تلك الدواعي أناب الشاعر الحضور السمعي (زأر الأسد) عن رؤية الأسد وصبره مثيراً لرعبه، وقد نجمت عن ذلك الزأر استجابة عبّر عنها النابغة بـ (لا قرار) التي ترينا الشاعر مرتعد الفرائص يزرع الأرض جيئة وذهاباً يريد الاهتداء إلى مخرج من مأزقه وبلواه، لكن فكره غدا مشلولاً لا يلبي حاجته تحت تأثير الخوف الذي عمّ خافقه، فاللفظتان (زأر) و (قرار) المسبوقة بلا النافية للجنس لخصتا معادلة غير متكافئة أحد طرفيها امرؤ فزع متضائل خائر القوى، مضطرب مترقب، والآخر مرهوب الجانب، رابط الجأش ذو بأس شديد متأهب للصولة ويستحيل الصديق المؤنس أسداً مفزعاً في نظر البخيل الممسك إذ يقول الأعشى:

إذا زاره يوماً صديقٌ كأنّما ... يرى أَسَداً في بيتهِ وِأَسَاوِدَا [1]

فقد استعان الشاعر لإظهار أمر معنوي باطن ـ هو حرص المهجو على المال ـ بمعينات محسوسة مرتبطة بالرؤية حينما شبه الصديق الزائر بأسد يتهدد المهجو في عقر داره، ولو اقتصر الشاعر على قوله: (يرى أسداً) دون قوله: (في بيته) لزال الفرق بين خشية المهجو والخشية التي تعتري الآخرين عند رؤيتهم الأسد، بيد أن الشاعر أراد المبالغة في الخوف والإمعان في البرم فاختار البيت بعدا مكانياً للدلالة على قرب الخطر منه وتعذر سبل الاحتماء عليه.

أما بشر بن أبي خازم فقد صنّف أعداء قومه في ساحة الحرب ثلاث طوائف: طائفة ساكنة لا حراك فيها، وثانية تنشط في الفرار، وثالثة فارة منادية مستنجدة من الفزع، وقد وظف السكون والحركة

(1) ديوانه: 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت