والصوت لبناء الصورة الكلية التي كشفت عن عجز الخائفين وقواهم الخائرة في مواجهة الموقف المفزع، مستثمرا أحوالاً تعتري بعض الحيوانات كالحمار والتيس:
وُبدِّلتِ الأباطِحُ من قُشَيْرٍ ... سنابكُ يُسْتَثَارُ بها الغبارُ
وَقد ضمزتْ بجرَّتِها سُليمٌ ... مخافَتَنا كما ضمزَ الحمارُ
وَ ليس الحيُّ حيَّ بني كُلابٍ ... بمنجيهم ولو هربوا الفرارُ
وَ أما أشجعُ الخنثى فولَّوا ... تُيوساً بالشظيِّ لهم يعارُ [1]
يلخص الفعل (ضمز) الذي يعني إمساك الدابة طعامها في فيها حال بني سليم الذين اجتاحهم الخوف والفزع حتى لفهم السكوت وأصابهم شلل اللسان، فأطبقوا أفواههم شأنهم في ذلك شأن الحمار الذي يمسك طعامه في فمه، ولا يستسيغه لخوف تسرب إلى نفسه، أو خطر أحس بوجوده، وقد خصّ الشاعر الحمار لأنه لا يجتر فامساك طعامه في حلقه باعثه خوف يحول دون بلعه أو طرحه. بهذا المشهد البصري يطلع الشاعر المتلقي على أغوار النفوس الخائفة لهؤلاء القوم المعادين، أما بنو كلاب فأمرهم مختلف عن سابقيهم، إذ عَبّروا عن خوفهم بالحركة (الفرار) بيد أن الفرار لم يبلغهم الأمن الذي كانوا ينشدون، فالعذاب بهم لاحق وإن ابتعدوا عن المعترك، ولم يكن بنو أشجع بأحسن حالاً من سابقيهم أو أقل فرقاً منهم لأنهم انصاف رجال وليسوا رجالاً حائزين على صفات الرجولة الكاملة (الخنثى) ، فقد ولوا الأدبار هاربين يتصايحون كالتيوس من شدة الهلع باحثين عن ملاذ آمن لهم، فهؤلاء الأعداء بدوا جميعا في ثلاث صور اقتصرت اثنتان منها على حاسة البصر وحدها في حين تآزر السمع والبصر في تشكيل الصورة الثالثة، ولا شك في أن اشراك أكبر عدد ممكن من الحواس في تمثل الصورة هو فعل من أفعال الخيال الناجحة، ولعل أبرز نجاحات الخيال في التصوير يتأتى حين تكون الصورة سمعية بصرية معاً [2] .
ويعمد قيس بن الخطيم إلى الظبي يستمد منه مادته لإنشاء صورة لحبيبته القلقة لحظة الفراق قائلاً:
(1) ديوانه: 70 - 72، يعار: صوت المعز.
(2) مقالات في الشعر الجاهلي: 307.