تراءتْ لنا يومَ الرحيلِ بِمُقْلَتَيْ ... غريرٍ بمُلتفٍّ من السِّدْرِ مُفردِ [1]
لا شك في أن الرحيل يبعث على غير قليل من الحزن والقلق من المجهول الذي يكشف عنه الزمن الآتي، وقد أراد الشاعر أن يظهر هذه المعاني، والانفعالات التي ساورت الحبيبة المفارقة، فوجد مبتغاه في صورة ظبي قائم وحده تحت سدة ملتفة، وهو بهذا يشير إلى ما تولده الوحدة في النفس من عوامل الضعف والخشية والحيرة والاضطراب، وقد زاد الشاعر من قلق هذه الحبيبة إذ جعلها قليلة التجربة بدلالة المشبه به (غرير) ، فضآلة الخبرة تسهم في إيقاظ مشاعر التوجس والخوف عند مواجهة الظرف العصيب، وما أعظم الخطب على المرء إذا اقترنت لديه قلة التجربة بالانفصال والإنفصال عن الجماعة يهدد شعوره بالأمن ويولد شعوراً بالعجز والقلق، فطالما كان الإنسان جزءاً من الجماعة، فهو ليس في حاجة لأن يخاف، وعندما يقف الفرد مستقلاً، فإنه يقف بمفرده في مواجهة العالم الملوء بالمخاطر، والقوى المعادية، ويشعر حينئذ بالعجز والقلق [2] .
وقد يتخذ الشاعر الطير عنصراً يبني عليه بعض صوره التي يعكس من خلالها مواقف الخوف، وأوضاع الخائفين على نحو تتجسم فيه الانفعالات من خلال الطاقة الإيحائية التي تفيض بها الألفاظ، فالشنفرى الأزدي الذي افتخر بشجاعه، وثبات جنانه يقدم صورة لقلب الجبان المضطرب باستحضار حركة طائر المكاء في طيرانه قائلاً:
ولا خَرِقٍ هيْقٍ كأنّ فؤادَهُ ... يظلُّ به المكّاءُ يعلو ويسفلُ [3]
إنَّ هذا الربط بين حركة هذا الكائن في ارتفاعه وهبوطه في الجو وبين الفؤاد الخافق خوفاً وهلعاً منح الصورة ثراءً كبيراً فقد بدت نبضات القلب من خلال الصورة مرئية مشاهدة فقلب الجبان المرتعد المسرف في ضرباته قرين هذا المكاء الذي يداب على العلو والدنو دونما استقرار على حال. أما القنفذ فقد أسهم في تشكيل الصورة التي رسمها الأعشى لعدوه المنهزم إذْ استحكم بينهما العداء وجدَّ الخصام:
(1) ديوانه: 124.
(2) القلق (فرويد) : 44.
(3) لامية العرب: 35.