لَئِنْ جدَّ أسبابُ العداوَةِ بينَنَا ... لتَرْتَحِلَنْ مِنِّي على ظهْرِ شَبْهَمِ [1]
فالشاعر لم يقتصر على وصف خصمه بالهرب وحده، ولو فعل ذلك لجاء الكلام وصفاً خارجياً باهتاً جرت به السن الشعراء وتعاورته أفواههم، بيد أنه أركب عدوه الفار على ظهر القنفذ الشائك ليغني الصورة الفنية بالحركة الناشئة عن تعذر الثبات والاستقرار على ظهره، تلك الحركة القلقلة المعادلة لتوتر الشعور، والموحية باهتزاز الباطن من الخوف، فالحركة عنصر من عناصر الصورة الناجحة لأنها تضيف بعداً زمنياً، يوجد فرق كبير بين ماء راكد هادىء وبين شلال من الحياة المتدفقة (ے lch [2] .
ولم تكن الضفادع بعيدة عن اختيار الشاعر العربي في رسم صور الخائفين فحينما هجا النابغة الذبياني قبيلتي سهم ومالك، ورماهما بالذلة والخوف استوحى من الضفادع ونقيقها صورة أبلغته مراده، وحققت مقاصده، في قوله:
فما أنا في سهمٍ ولا نصرِ مالكٍ ... ومولاهُمُ عبدِ بنِ سعدٍ بطامع
إذا نزلوا ذا ضَرْغَدٍ فعُتائداً ... يغنِّيهِمُ فيها نقيقُ الضفادعِ [3]
قُعُوداً لدى أبياتهم يثمدونها ... رمى اللهُ في تلك الأنوفِ الكوانِعِ [4]
إن هؤلاء القوم ينزلون بالحرار إلى جوار الماء الآسن يملأ نقيق الضفادع آذانهم، فهو مكبلون بالخوف، مطوقون بالذلة، مات نشاطهم وخمد سعيهم، فلا يخرجون للغارة وطلب الغنيمة تحاشياً للنزاع مع غيرهم تحاشي الضعيف الخائر، فهم لا يجدون في أنفسهم الجرأة الكافية على شيء من ذلك، لذا يؤثرون الإقامة في تلك الحرار فيتخذونها موطناً لهم، مرغمين على النزر اليسير، عاكفين على الهوان ولو آنسوا في أنفسهم القوة والشجاعة والعدد العديد لكان لهم شأن غير الذي كانوا عليه.
(1) ديوانه: 125، الشبهم: القنفذ.
(2) قضايا في الأدب والنقد: 17.
(3) ضرغد: حرة، عتائد: عقبة.
(4) ديوانه: 87 - 88، يثمدونها: يلحون في مسألتها، الكوانع: الذليلة.