الصفحة 338 من 392

ويستلهم النابغة الذبياني الليل ليقرن به شدة بأس النعمان وسعة نفوذه اللذين لا يحول دونهما عارض، ولا ينأى عنهما مكان، فالشاعر الخائف من أذى النعمان يرى الأفق على امتداده والأرض على رحبها وسعتها يضيقان به حتى أصبح من المحال عليه ان يجد مهرباً يقيه شره ويحميه من سورة غضبه، فسعيه في الهرب لا يتعدى الأفق الدائري الذي يحيط به من كل جهة ويطبق عليه من كل منحى، فالنعمان كالليل، وهل بميسور امرىء النجاة من الليل وظلامه الشامل؟.

فإنك كالليلِ الَّذي هو مُدْرِكِي ... وإن خلتُ أن المُنَتأى عنك واسعُ [1]

إن عجز النابغة عن تلمس طريق الخلاص من ملاحقة النعمان له أشبه ما يكون بعجز الإنسان عن منع حلول الليل، وقد آثر الشاعر الليل على النهار على الرغم من اشتراكهما في صفة شمولهما للأشياء، وذلك لتوافق الليل مع حاله المفزعة واستجابته لنفسه الخائفة واحساساته المضطربة بقوة وعنف حين يحل الظلام ويلف بقتامته كل شيء، فضلاً عن أن مشاعر الوحشة والضعف تنبعث في النفس الإنسانية ليلاً، وقد استحسن البغدادي هذا التشبيه إذ قال: وقد اعترض الأصمعي على النابغة في هذا البيت فقال: إذ قال: وقد اعترض الأصمعي على النابغة في هذا البيت: فقال: تشبيه الإدراك بالليل يساويه إدراك النهار، فلم خصّه دونه، وإنما كان سبيله أن يأتي بما ليس له قسيم حتى يأتي بمعنى ينفرد به (أقول) : إنما قال: كالليل، ولم يقل: كالصبح مثلا، لأنه وصفه في حال سخطه، فشبهه بالليل وهوله، فهي كلمة جامعة لمعان كثيرة [2] .

وقد يكون من تلك المعاني الكثيرة دلالته على العدم مقابل دلالة النهارعلى الوجود [3] .

ولم يعد القلق المرهق الذي ظلله عدي يطول ليله وعذاب أرقه قلقا مستوراً في زوايا النفس، بل تعدت النفس إلى صورة بصرية متحركة تفصح عن مدى ذلك القلق وتؤشر أبعاده، فالعين المسهدة المراقبة لدبيب

(1) ديوانه: 38.

(2) خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب: 2/ 466 - 467.

(3) الطبيعة في القرآن الكريم: 484.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت