الليل بانتظار الصبح المتمنى، والجنب الموخوز بالإبر والمتململ على الفراش دأبا صورتان تكشفان عن مدى القلق الذي ساد نفس عدي وغار في وجدانه عميقاً:
لم أُغًمِّضْ طولَهُ حتى انقضى ... أتمنى لو أرى الصبحَ جَشَرْ [1]
شِئزٌ جنبي كأنّي مُهْدَأٌ ... جعل القينُ على الدَّفِّ إِبَرْ [2]
وحين هيمن على النابغة الخوف وجثم على صدره الهم المعذب من سطوة النعمان تراء ى له الليل ثقيلاً بطيء الجريان، حاجبا عنه الصبح الذي تمناه وكاد ييأس من قدومه، قائلاً:
كِلِيني لهمٍّ ـ يا أميمةَ ـ ناصبِ ... وليلٍ أقاسيه بطيءِ الكواكب
تطاولَ حتّى قلتُ ليس بمنقضٍ ... وليسِ الذي يرعى النجومَ بآيب
وَ صدرٍ أراحَ الليلُ عازبَ همِّه ... تضاعفَ فيه الحُزنُ من كلِّ جانبِ [3]
بهذا الأداء الحي نقل إلينا الشاعر واقعه النفسي المستكن الذي تضافر عليه إلى واقع مرئي مشاهد في كنايته التي عبرت عن ثقل همومه ببطء جريان زمنه (بطيء الكواكب) ، فانفصل بذلك عن واقع الأشياء الطبيعي ليمكث في عالم مستثنى من عوالم الآخرين لا يخضع لما تخضع له تلك العوالم من سنن ونواميس، إنه العالم النابغي الذي يدير نظامه بوحي من شعوره المؤرق، وبإيعاز من وجدانه المشحون بالوساوس، فالبطء الذي يبصره الشاعر في حركة الكواكب ناجم عن ذاته المهمومة التي تسقط محتواها على الخارج، ولو تبرأت تلك الذات من أدوائها وتجاوزت محنتها لعاد صاحبها يبصر بعينيه الكواكب كما يبصرها سواه وهي تدب على شاكلة خاصة وعلى وفق نظام مقدّر لها لا أثر فيه لريث يحسه المكتئب الفَزِع، أو عجل يتوهمه المبتهج الآمن، فضلاً عن ذلك كله فإن اختيار الشاعر الليل بعداً زمنياً لهواجسه المخيفة آت من إدراكه خصائصه التي يقصر دونها النهار، فالليل بانغلاقه يحشد الهموم، ويضاعف فاعليتها، والنهار بانفتاحه يفرقها، ويخفف
(1) جشر الصبح: انفلق.
(2) ديوانه: 59، شئز: قلق، مهدأ: الصبي تضرب عليه بكفك وتسكته لينام.
(3) ديوانه: 40 - 41.