من وطأتها، وقد قرن الشاعر تلك المشاعر المأزومة المتكالبة عليه ليلاً بصورة الإبل العازبة في المراعي، وقد قصدت أهلها من كل صوب متسارعة الخطى إذا حلّ المساء.
وظلّت الصحراء بامتدادها ووحشتها تشكل مصدراً مهما لبناء الصورة على نحو ما في قول الأعشى:
وبلدَةٍ يرهبُ الجوّابُ دُلجتها ... حتى تراه عليها يبتغي الشِّيَعَا
لا يسمعُ المرءُ فيها ما يؤنِّسُهُ ... بالليلِ إلاّ نئيمَ البومِ وَ الضُوَعا
كلَّفتُ مجهولها نفسي وَ شايعني ... همِّي عليها إذا ما آلُها لَمَعَا
بذاتِ لُوثٍ عَفَرْناةٍ إذا عثرتْ ... فالتَّعْسُ أدنى لها من أقولَ لَعَا [1]
فهي بلدة كل شيء فيها مخيف مرعب ليس فيها موضع أمن أو اطمئنان، وليس الخبير بطرق هذه البلدة بأحسن حالاً، أو أقل خشية ممن يجهلها، وقد استعان الشاعر لإظهار تلك الانفعالات، وإبراز تلك الدلالات بمفردات استوعبت أبعاد الرهبة الكاملة التي تعتري قاطع الصحراء، ففي الفعل (يرهب) إيحاء بمستوى عال من الخوف تعجز مفردات أخرى من معجم الخوف أن تؤدي أو تنهض بمراده، كما أن استخدامه لصيغة المبالغة (الجوّاب) جاء ليهول الموقف ويزيده إفزاغا، فإذا كانت هذه المفازة القتماء تخيف المتمرس في أهوالها والمقتحم لظلمة لياليها، فيكف الحال مع من لا تجربة له فيها؟ أو كان حديث العهد بها؟ ويظل الأعشى يضاعف عوامل الخوف في خط متصاعد حين يجعل الجوّاب، وهو الكثير الأسفار والعليم بمواضع الصحراء، يطلب شيعاً وينشد أعواناً يعينونه على مهال الطريق ويدفعون عنه وحشة الصحراء، ويؤنسونه بوجودهم معه إذ لا أنيس، ولا صاحب، بيد أن الأعشى في البيت الثاني ينفي الأمن تماما ويشيع جواً من الرهبة الطاغية باستخدامه أداة الاستثناء إلا التي توهم المتلقي بأن هناك مأمناً أو أنيساً يصرف عنه الوحشة ويبث في نفسه الأمن، لكن السامع لا يلبث أن يجد بعد أداة الاستثناء أمراً يديم زخم الخوف، ويقوي سطوته (صوت البوم) الذي جاء كناية عن الوحشة ومؤكداً الرهبة الشاملة التي سبقت الاستثناء، وقد وفق الشاعر أيما توفيق في اصطفائه الليل بعدا زمانياً يسهم في التوتر النفسي الذي تنتاب من يجوب الصحراء منفرداً ويقف ضعيفا واهنا أمام عالم مجهول معادٍ يهدده بالخطر.
(1) ديوانه: 103، اللوث: القوة، العفرناة، الغول، لعاله: دعا للعاثر أن ينتعش.