وقد يستقي الشاعر مادة صوره من الناس والحياة الاجتماعية التي شهدت أنواعاً من العلاقات بين أبناء المجتمع كعلاقة الدائن بالمدين التي بنى عليها الشماخ صورة لثعالب مذعورة فرّت من عقاب كاسرة في معرض حديثه عن ناقته وسرعة عدوها:
تلوذ ثعالبُ الشَّرَقين منها ... كما لاذ الغريمُ من التَبيعِ [1]
هذه العلاقة الاجتماعية صيّرها النابغة صورة معبرة عن الخوف وقد حازت أعجاب بعض النقاد القدماء، فقد عدّها قدامة بن جعفر من جيد التشبيه، ثم قال في تحليله: وقد يختلف اللوذان بحسب اختلاف اللائذين، فأما التبيع فهو ملح في طلب الغريم لفائدة يرومها منه، والغريم بحسب ذلك مجتهد في الروغان واللواذ خوفاً من مكروه يلحقه، وكذلك الثعلب والعقاب سواء، لأن العقاب ترجو شبعها والثعلب يخاف موته [2] .
أما النابغة الذبياني الذي خشي هلاك النعمان ورجا شفاءه من مرض ألم به، فقد وجد في الشهر الحرام خير وسيلة وأفضل مضمون للتعبير عن تلك الخشية التي ساورته في قوله:
ألَمْ أُقسمْ عليك لتخبَرنِّي ... أَ محمولٌ على النَّعشِ الهُمامُ؟ [3]
فإنّي لا أُلامُ على دُخولٍ ... ولكنْ ما وراءك يا عِصَامُ؟
فإنْ يهلكْ أبو قابوسَ يهلكْ ... ربيعُ الناسِ والشهرُ الحرامُ [4]
فقد كنى بهلاك الربيع والشهر الحرام عند حلول الجدب والعوز وذهاب الأمن وشيوع الخوف والاضطراب بموت النعمان، فبوجوده ينعم الخلق بسابغ عطاياه، وفي ظل ملكه يحيون في طمأنينة ودعة، فلا أحد يفكر في ضيم يحل به وحق يضيع له، أو غارة تشن عليه، ولا شك في أن النابغة في كل هذه المعاني التي تشف عنها صورته يستحضر أجواء الأشهر الحرم التي كان العرب لا يستحلون فيها القتال وينصرفون مع بدئها إلى ميادين الكسب والتجارة وما إليهما مما يعنى به الناس وينشطون إليه في الظرف الهادىء والحياة الآمنة، فضلاً عن أن الشاعر يضفي بهذا الاقتران بين النعمان والشهر الحرام ضرباً من القداسة على ملكه
(1) ديوانه: 227.
(2) نقد الشعر: 110.
(3) أمحمول على النعش: كان الملك إذا مرض حملته الرجال على أكتافها يعقَّبونه ويقفون.
(4) ديوانه: 105.