موازية لقداسة الأشهر الحرم، فيهابه الناس مهابتهم تلك الأشهر، فلا يخرجون عن طاعته مثلما لا ينتهكون قداسة أو حرمة تلك الشهور، وقد عمد إلى تجسيم هذه المعاني، وخلع صفات المحسوسات عليها (يهلك الربيع والشهر الحرام) ابتغاء التوضيح ونشدانا للتقريب.
ويستمد المهلهل من حياة الملوك مادة لصورته الفنية التي قوامها عقد المشابهة بين الخائف المؤرق الذي ملأ الموت تفكيره والملك اليقظان الذي حرم النوم لكثرة مشاغله:
فأزالَهُمْ عنّا كُليبُ بطعنةٍ ... في عمرٍو ونائل من بني قحطان
وهوى ابن نائل في المِكرِّ كأنّه ... والريحُ شاجرة قريعُ هِجان
ولقد مضى عنها ابن لحية مدبراً ... تحت العجاجة وَ الحتوفُ دوان
فلمثلها كفّ ابنُ لحيةَ نومه ... نومَ الملوكِ ويقظةَ الوسنانِ [1]
فابن لحية الذي كاد يلقى حتفه على يد كليب، وأفلت منه بالفرار ما زال يختزن في ذاكرته صورة الموت الذي أنزله كليب بابن وائل، تلك الصورة التي ظلّت ملازمة له تراود بصره وترعد أركان نفسه وكأنه في حضرة كليب يخشى طعانه، ويحذر فتكه، وتظل هذه الهواجس المخيفة تعصف بهذا الخائف ـ لاسيما إذا جنّ الليل ـ فيبيت ليلته مبيت سوء لا يواتيه النوم إلا لماماً على غرار الملوك الذين لا يجدون سعة من الوقت للنوم والراحة فلا تكتحل أعينهم إلا بنوم خفيف لكثرة مشاغلهم، ومواظبتهم على التفكير في أحوال ا لرعية وتدبير شؤونها، فحرص الملك الذي يشغل تفكيره والخوف الذي يسود قلب الخائف كلاهما يفضي بصاحبه إلى نتيجة واحدة هي السهاد المؤرق.
وتعد المرأة من الروافد المهمة التي تصب في نهر الصورة الفنية في نصوص الخوف، ففي بيت منفرد يصف به تأبط شراً خوفه من مراقبيه أو مطارديه تتجلى ذاته المتوجسة في صورة مرئية بارعة أساسها الحركة قائلاً:
السالكُ الثغرةَ اليقظانُ كالئُها ... مشيَ الهَلوكِ عليها الخَيْعَلُ
(1) المهلهل بن ربيعة التغلبي، حياته وشعره: 339 - 340.