الصفحة 343 من 392

الفُضُلُ [1]

إن خطى الشاعر المتثاقلة المتسارقة بفعل الخوف والحذر ـ وهو ينفذ من المكان المرصود ـ قرينة بخطى تلك المرأة المتساقطة على الرجال والرافلة في ثوب واسع يحملها على الإنثناء والتمايل، وهو بهذا الاقتران توفر على تجسيم القيد المعنوي (الخوف) في صورة مادية محسوسة مرتبطة بالرؤية (ثوب المرأة الفضفاض) .

أما مهارة قيس بن الخطيم الفنية فقد أسندت إلى المرأة الآسية دوراً فاعلاً في إبراز فظاعة الطعنة النافذة التي ثأر بها من واتره في قوله:

طعنتُ ابنَ عبدِ القيس طعنةَ ثائرٍ ... لها نَفَذٌ لولا الشعاعُ أضاءَها [2]

ملكتُ بها كفّي فأنْهَرْتُ فتْقَها ... يرى قائماً من خلفها ما وراءَها [3]

يَهُونُ عليَّ أن تردَّ جراحُهُ ... عيونَ الأواسي إذْ حمدِتُ بلاءَها [4]

لقد استطاع الشاعر أن يوطد بنيان صورة مهولة من خلال البيت الثالث الذي كشف فيه عن بشاعة الجرح الذي أحدثته طعنته حتى بات ذلك الجرح يرد عيون الأواسي، وقد خصّ الشاعر الأواسي بذلك لتجسيد فظاعة الطعنة، لأن الجرح ولون الدم أمران مألوفان عندهن وصورتان متكررتان على أبصارهن بحكم مراسهن في المداواة، بيد أن جرح قتيل قيس أعجزهن عن النظر إليه لأن عيونهن لم تر مثله من قبل على هذا النحو المهول ولا شك في أن هذا المشهد الذي رسمه الشاعر بحذق ومهارة ينقل المتلقي إلى جو يشيع فيه الإحساس الحي بالرعب والفزع وكأن الطعنة بهولها وقبحها تقع في اللحظة المعيشة مع الصورة.

ومن خلال المرأة يشكل النابغة صورة للرعب الذي يخيم على النفوس عقب موت النعمان قائلاً:

وإنْ يهلكِ النعمانُ تَعْرَ مطيُّهُ ... ويُلفَ إلى جنبِ الفناء قطوعُها [5]

(1) شعره: 170، كالئها: محافظ عليها، الهلوك: المرأة المتساقطة على الرجال، الخيعل الفضل: الثوب الفضفاض الواسع.

(2) لها نفذ: نفذت، الشعاع: حمرة الدم.

(3) انهرت: اجريت الدم.

(4) ديوانه: 46 - 47.

(5) قطوعها: أداة الرحل كالطنافس وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت