وتَنْحَطْ حصانٌ آخرَ الليلِ نحطةً ... تَقَضْقَضُ منها أو تكادُ ضلوعُها [1]
على إثر خير الناسِ إنْ كان هالكاً ... وإنْ كان في جنبِ الفراشِ ضجيعُها [2]
فقد استوى البيت الثاني على ألفاظ زاخرة بطاقات إيحائية تعبر عن الخوف وتبين مداه، فالشاعر الراجي بقاء النعمان جعل المرأة العفيفة تحس احساساً عميقاً بالفراغ الذي سيتركه النعمان في نفسها بعد موته فتزفر آخر الليل زفيراً يكاد يكسر ضلوعها، وقد اصطفى الشاعر من الليل آخره ليلون مشاعر تلك المرأة العفيفة بظلاله لأنه الوقت الذي تتوقع فيه الغارة والهجوم فضلاً عن ذلك فإن المرأة الموصوفة امرأة حصان والمرأة الحصان أشد خوفاً وفرقاً من الغارة التي غالبا ما تؤول إلى السبي وتبيح الإنتهاك، كما أن لفظتي (تنحط، وتقضقض) تنبئان بشدة الاضطراب الذي يزيد في دقات القلب ويسرع في حركة التنفس فتنجم عن ذلك أصوات يخيل لسامعها أن الضلوع تتكسر، وقد أبدى الشاعر تلك المرأة العفيفة خائفة مفرطة في خوفها وآية ذلك فزعها على الرغم من وجود زوجها (عنصر حماية ومبعث أمان لها) معها في مخدعها. فالمرأة تحس بالقوة والأمان بحضور بعلها، ولا تستشعر الخوف وهو إلى جوارها لأنه أشد الناس غيرة عليها، وأكثرهم قرباً إلى نفسها، وأحرصهم على حمايتها من الدنس والعار، إن ردود الفعل النفسية التي تنتاب هذه المرأة في إثر فقدها النعمان تتجسد من خلال الصورة السمعية وعلى وجه الدقة من خلال (تنحط، وتقضقض) اللتين تشعر حروفهما سامعيهما بمعناهما، فضلاً عن الصورة البصرية المتمثلة بمجاورة المرأة لضجيعها الذي يعجز عن تهدئة روعها، فالهول الذي يأتيها بموت النعمان أعظم من أن يعان عليه خائف، وقد تهيأ لعمرو بن معد يكرب من خلال الموازنة المعقودة بين عهدين من عمر المرأة عهد الشبيبة والخلابة، وعهد الشيخوخة والدمامة أن يرسم صورة للحرب التي تبدو في أول أمرها جذابة آسرة تخلب لب الجهول وتوهمه بنصر ظافر وأمانٍ حالمة، لكنها سرعان ما تكشف ـ إذا ما استعرت أوارها ـ عن وجهها البهيم المنفر فتظهر على حقيقتها المرة، وتسفر عن نتائجها المرعبة، قائلاً:
(1) تنحط حصان: تزفر، تقضقض منها: تزفر حتى تكاد ضلوعها تتكسر من شدة الزفير.
(2) ديوانه: 107 - 108.