الصفحة 345 من 392

الحربُ أوَّلُ ما تكونُ فتيّةً ... تسعى بزينتها لكلِّ جَهُول

حتى إذا حميتْ وشب ضرامها ... عادتْ عجوزاً غيرَ ذاتِ خليل

شمطاءَ جزَّتْ شعرَها وتنكَّرتْ ... مكروهةً للشَّمِّ والتقبيلِ [1]

إن فتنة الحرب في بدئها الآيلة إلى البشاعة في خاتمتها متبوعة بحركة النفس من حال الإطمئنان والرغبة الملحة في الإقبال عليها إلى حال الاضطراب والرهبة من ويلاتها، وقد جسّد الشاعر هذا التدرج المعنوي المجرد عن طريق التحول إلى عالم المحسوسات إذ انتقل من المرأى الجميل إلى المرأى القبيح، ومن المحفز إلى المنفر، من المرأة الفاتنة وهي تملأ العين بهاء والأنف أريجاً، واللمس نعومة إلى عجوز شمطاء شوهاء يسوء منظرها، وتنتن رائحتها، ويخشن ملمسها، وقد بدا المحتوى النفسي للشاعر بهذا التشخيص مفعما بالكره والتفزز تجاه الحرب الرهيبة التي تورث الويل وتشيع المأساة.

ولعل اقتران الحرب بالمرأة عائد إلى ما علق في ذهن الشاعر العربي من معطيات أسطورية قديمة عن المرأة المحاربة أو الاهة الحرب [2] ، ومن هنا جنح الشاعر لاستعارة صفات الرعب منها للحرب، فالعوان التي تعني المرأة التي تتابع عليها الرجال فعادت مبغوضة مخيفة تنذر بالشر والشؤوم وغدت نعتاً للحرب إذا استمر ضرامها وامتد لهيبها، وقوتل فيها مرة بعد مرة لما تخلقها من معاناة ومكابدة، أو تجلبه من شؤم استقر مثاله في ذهن الشاعر في صورة تلك المرأة العوان، قال زهير بن أبي سلمى:

إذا لِقحتْ حربٌ عوانٌ مضرَّةٌ ... ضروسٌ تهِرُّ الناسَ أنيابُها عُصْلُ [3]

وقد يغني الشاعر صوره ويزيدها ثراء باستلهام الجانب الأسطوري للمرأة فعطر منشم [4] الذي عُدّ نذيراً بالحرب ومرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالشؤم والشر صيّره الأعشى مفتاحاً لواقع حاد مفزع هدد به عمرو بن المنذر بعد أن تفاقمت بينهما العداوة، قائلاً:

(1) ديوانه: 156، وينظر: ديوان امرىء القيس: 353، لتنازع الشاعرين على نسبة القطعة.

(2) الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري: 84.

(3) شرح ديوانه: 103، وينظر: المهلهل بن ربيعة التغلبي، حياته وشعره: ق 58 ب 12/ 351.

(4) من المثل القائل: دقوا بينهم عطر منشم، فصل المقال في شرح كتاب الأمثال: 485، وقد قيل إن منشم مقصود به الشر نفسه، ينظر: المصدر السابق: 485، وقد قيل: إن منشم اسم امرأة وكانت عطارة تبيع الطيب فكانوا إذا أرادوا الحرب غمسوا أيديهم في طيبها وتحالفوا عليه بأن يستميتوا في الحرب ولا يولوا أو يقتلوا، فكانوا إذا دخلوا الحرب تطيبوا بطيب هذه المرأة يقول الناس: قد دقوا بينهم عطر منشم، فلما كثر منهم هذا القول صار مثلا للشر العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت