الصفحة 346 من 392

أراني وَ عمراً بيننا دقُّ منشِمٍ ... فلم يبقَ إلاّ أن أُجَنَّ ويكْلَبَا [1]

كلانا يُرائي أنه غير ظالمٍ ... فأعْزبْتُ حلمي، أو هواليومَ أعزبا [2]

إن قيمة (عطر منشم) موكولة إلى ما يتركه من أثر في نفس المتلقي، وما يوحي به من كراهية للحرب التي أظهرها الشاعر في مشهد مروع، فهناك مجنون عازب اللب متحرر من قيود العقل خاوٍ من الوعي، وآخر كَلِبٌ تخلى عن إنسانيته فأخذ ينبح نبح الكلاب، ويمزق ثيابه عن نفسه، ويفعل ما شاءت له الأفاعيل في هياج وغضب وينفر الناس من حوله هلعين، وماذلك إلا معطى متاخم لأجواء الرهبة التي عاشها المتحاربون عقب كل إقبال على هذا العطر المشؤوم، وتطيبهم به حتى غدا ذلك المعهود المشؤم يقاس عليه الموعود المرهوب.

وقد يقيم الشاعر صورته الفنية على بعض مما يعتري الناس من مرض أواعتلال، فهذه امرأة يصفها النابغة ـ لعلها المتجردة ـ لا يواتيها الكلام ولا يتيسر لها الإعراب عن حاجتها مع من تحب خشية الرقباء، فتشي له عما في ضميرها بالنظر الذي حدد الشاعر إطاره بقوله:

نظرتْ إليك بحاجةٍ لم تقضِها ... نظرَ السقيمِ إلى وجوهِ العُوَّدِ [3]

هذه نظرة خاطفة فاترة لا تملأ العين شبيهة بنظرة السقيم الذي أوهى المرض قواه، فلم يعد بمقدوره إلا النظر الضعيف الذي يدل على سوء حاله، وتمكن المرض منه، فالتماثل بين المشبه والمشبه به في المشهد

(1) الكلب: داء يشبه الجنون يأخذ الكلاب فتعض الناس ويصاب من تعضه بمثل ذلك الداء.

(2) ديوانه: 117، وينظر: شرح ديوان زهير بن أبي سلمى: 15.

(3) ديوان النابغة الذبياني: 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت