الخارجي حاصل متحقق إلى حد كبير غير أن اختلاف الدوافع المحركة للنظرين (المرض، الخوف) ، قد يحمل على الظن بلا منطقية العلاقة بينهما، لكن هذا الظن يزول أثره إذا علمنا أن الخوف يفضي فيما يفضي إلى انتقاص القوى، وهبوط النشاط، والعجز أمام عالم معاد مهدد بالخطر مثلما الشأن في السقيم المكابد من سطوة المرض عليه، وبهذا الفهم يتحقق الإنسجام والتلاؤم بين الأجواء الداخلية للصورة مثلما تحقق لها ذلك في المحسوس المعبر عنه بالنظر الفاتر.
أما الحادرة فثغر قومه سقيم يتحاشاه الناس:
ونُقِيمُ في دار الحِفاظِ بيوتَنا ... زمناً، ويظعنُ غيرُنا للأَمْرَعِ [1]
بسبيل ثغرٍ لا يُسرِّحُ أهلُه ... سِقمٍ يُشارُ لقاؤُه بالأصْبَعِ [2]
فوصفه المكان بالسقم فيه حسن وطرافة، واستثمار للطاقة النفسية للفظ على نحو يوحي لكل الدلالات المعبرة عن الحذر والاحتماء والتقية، وتبلغ الصورة أوج جمالها ونضارتها في تصوير هؤلاء الخائفين بهذه الحركة الحسية الزاخرة بمعاني الحذر والتحاشي والفزع في قوله:"يشار لقاؤه بالأصبع"، فالعبارة تجعلنا وكأننا في صحبة طوائف من رجال القبائل الأخرى سالكين طريقاً يحرصون على بعده عن ديار بني ثعلبة (قوم الشاعر) مشيرين إلى تلك الديار بأيد مرتجفة خوفاً وفرقا، حتى يقودنا ذلك المشهد إلى تصوير مهيب للقوم (قوم الحادرة) إحتمالهم للشدائد عظيم، ورجالهم في الحرب أشداء، وعددهم في الإحصاء كثر، وأيامهم في الناس مشهودة كل هذه الانبثاقات تشع بها الصورة من خلال بعديها المهمين المتمثلين بالمكان والحركة.
وحين أراد الشنفرى الأزدي أن يطلع مخاطبته على صورة من شجاعته ونمط من أقدامه في المغامرة وركوب المخاطر مال إلى تظليل المشرب الذي يرده بظلال مخيفة تمثلت في داء البطن الذي يكن الشاعر له مقتاً وخوفاً شديدين، فصيّر مشربه المحفوف بالمخاطر والأهوال مضموناً موازياً لذلك الداء قائلاً:
وإنّكِ لو تدرين أنْ ربَّ مشربٍ ... مخوفٍ كداءِ البطنِ أو هو أخوفُ
وردتُ بمأثور يمان وضالة ... تخيَّرتُها ممّا أريشُ وأرصُفُ [3]
(1) دار الحفاظ: الدار التي لا يقيم بها إلا من حافظ على حسبه، ولا يحافظ على حسبه إلا الشريف.
(2) ديوانه: 53 - 54، وينظر: شرح ديوان زهير بن أبي سلمى: 210.
(3) ديوانه: 38.