إنها صورة نابضة بالحياة مستمدة من واقع الصعاليك ونابعة من ممارساتهم اليومية المبنية على مناصبة العداء للأغنياء الباخلين في حرب لا هوادة فيها بين بطون خاوية تتضور جوعاً وأخرى تتلوى من جراء التخمة وفرط الإمتلاء ولم يتخذ الشاعر داء البطن مثالاً للخوف والرهبة اعتباطا، إنما جاء به ليجسد من خلاله حرصه على مظهرين يفقدانهما بفقد الشاعر الصلعوك فاعليته، ويتخلى عن هويته في دائرة الصعلكة أحدهما جسدي يبدو في اعتمادهم على القوة البدنية وخفة الحركة اللتين يتعذر تحقيقهما على الرجل البطين، والآخر معنوي ذو صلة وثقى بدأ بهم الذي من أجله تصعلكوا، وهو تقرير حقهم في الأموال التي يحتجنها الأغنياء الممسكون، فداء البطن يخيف الصعاليك لمخالفته وجهتهم في الحياة ومراميهم التي إليها يقصدون فقد كان أخوف ما يخافه أحدهم أن يصاب بمرض يضعفه ويقعد به عن تحقيق رسالته في الحياة، وبخاصة أمراض البطن التي يصاب بها المتخمون والتي تعد بالنسبة لهم اتهاماً صارخاً بالتنكر لهذه الرسالة وخيانتها [1] .
وقد أسهم في بناء الصورة الفنية ماله صلة وثيقة بحياة الإنسان من معطيات البناء لاسيما في بيئة يثرب المتحضرة كالآطام والآجام والمعاقل، فقد سعى الشاعر قيس بن الخطيم من خلالها إلى استحضار مشاهد الخائفين بطريقة تدعو إلى الرثاء لهم والإشفاق عليهم كما في قوله وهو يصف أعداء قومه الذين خارت قواهم، وانهزمت جموعهم أمام كتائب الأوس لائذين بالآطام، وقد انطوت نفوسهم على هلع كبير:
رضيتُ لهم إذ لا يريمونَ قَعْرَها ... إلى عازبِ الأموال إلاَّ بصاحبِ [2]
فلولا ذُرَى الآطامِ قَدْ تعْلَمُونَهُ ... وتركُ الفضا شُورِكْتُمُ في الكواعبِ [3]
إن أعداء قومه ضعفاء مرعوبون يتخذون قعر الآطام جنة لهم، ويغمزهم الشاعر بذلك غمزاً حين يشخص صورة الخوف الشديد بـ (قعر الأطام) وكأنما يعمد إلى خلق عملية موازنة بين عمق المخبأ، ووطأة الخوف الداهم، فكلما زاد الخوف عليهم وطأة آثروا المكان الأعمق في المخبأ، وأنزووا في المحل الأبعد منه، ثم
(1) الشعرا الصعاليك في العصر الجاهلي: 305.
(2) لا يريمون: لا يبرحون، عازب الأموال: هي الإبل والشاة التي تعزب عن أهلها في المرعى.
(3) ديوانه: 92 - 93، وينظر له: ق 8 ب 1/ 137، الأطم: حصن مبني بالحجارة.