الصفحة 349 من 392

جعل الشاعر إبل الأعداء عازبة، وقد تركها أربابها فراراً بالنفس وروماً للنجاة من الشدة، حتى تعذر عليهم ردها من مراعيها إلا بحامٍ يقيهم شرّ عداتهم، أو نصير معوان لهم على دفع خطر متربص بهم.

ولم يقف جهد الشاعر في تصوير مواقف الخوف عند الاستعانة بالأشياء (المحسوسة من حوله) وحدها، بل أخذ يردد عوالم التخييلات التي لا وجود لها على أرض الواقع والتي أصبحت جزءاً من التفكير الخرافي للشاعر يستمد منه الدلالات المعبرة عن الخوف والبشاعة، فكانت صورة الغول حاضرة في ذهنه، إذ يصف الحرب وشرورها وبطشها وأهوالها، قال أبو قيس بن الأسلت:

قالتْ وَ لم تَقْصِدْ لِقِيلِ الخَنَا ... مهلاً فقد أبلغتَ أسماعي

أنكرتهِ حين توسَّمتهِ ... والحربُ غولٌ ذاتُ أوجاعِ [1]

فقوام الصورة هنا الموروث الخرافي الذي أودع في ذهن الشاعر ومتلقيه معا تلك الصورة الرهيبة لهذا الكائن الموهوم الذي يطلق عنان التخيل لزاعمٍ وجوده في أن يذهب كل مذهب بعيد في رسم صورته شكلاً وحجماً وحركة ولوناً وصوتاً على نحو يتفق مع حدة النفس الخائفة. وقد توفر الشعراء على هذا الرمز المخيف كلما راموا تصوير البشاعة النافرة والقبح المفزع قاصدين إلى إثارة هذه المضامين في نفوس متلقيهم فالخيول التي يمتطي الفرسان صهواتها إلى الحرب ليست خيولاً بالدلالة المألوفة في الواقع العياني إنما هي سعالى بمرأى غير معهود تخيف الخصوم وتحفز فيهم نوازع الرهبة والاشئمزاز [2] .

وللجن عزيف، وللعزيف هذا صدى عند الشاعر في رسم صورة حسية سمعية لا تقوم إلا به، وخير صنيع فني في هذا المقام ما يطالعنا به زهير بن أبي سلمى في وصفه بلدة مرهوبة تضج بأصوات الجن العوازف قائلاً:

وَ بلدةٍ لا تُرامُ خائفةٍ ... زوراءَ مغْبَرَّةٍ جوانبُها

تسمعُ للجنِّ عازِفينَ بها ... تضبحُ من رهبةٍ ثعالبُها

(1) ديوانه: 78.

(2) ينظر: المهلهل بن ربيعة التغلبي، حياته وشعره: ق 35 ب 38/ 297 وديوان عبيد بن الأبرص: ق 43 ب 6/ 116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت