يصعدُ من خوفها الفؤادُ ولا ... يرقدُ بعضَ الرُّقاد صاحبُها [1]
إن هذه الأصوات الشبيهة بأصوات المزمار والطبل تطرق آذان الثعالب فتمتلىء نفوسها فزعا فتنطلق صائحة منادية، وتبلغ تلك الأصوات ذروة سنامها في الإخافة والتأثير حين تعصف بفؤاد المرء فتستله عن مكمنه وتبعده عن مستقره، ويظل زهير يتابع متابعة مستقصية مظاهر ذلك الخوف المالىء لأرجاء نفسه فينبىء عن أرق ليله بعبارة خصبة بالإيحاء ناقلة لأجواء النفس (ولا يرقد بعض الرقاد صاحبها) فقد نفى الرقاد مطلقاً بكامل أجزائه وآماده ثم عاد لنفي الجزء منه ليؤكد الكل للدلالة على الخوف الممعن في داخله، ولا شك في أن الرهبة من بلدة زهير الخائفة لا تكشف عن أبعادها المتوخاة إلا بلم تقاريق الصورة الجزئية لتتضافر فيما بينها لإخراج الصورة الكلية المعادلة للمحتوى النفسي إذ يختلط صوت المخيف بصوت الخائف، وتضطرب الأحشاء، وتأبى الأجفان الرقاد، فالصورة كلٌّ وجداني متماسك تتبادل أجزاؤه التعاون في التعبير عنه، فلكل دلالته، وهي دلالة ترتبط بالكل ارتباطا عضوياً، دلالة لا تقصد لذاتها وإنماليتم بها وبدلالات أخرى تصوير حالة وجدانية بجميع عناصرها وشعبها [2] .
وقد يعمد الشاعر إلى بعض أحوال الحياة النفسية يلوّن بها صوره ويضعها إلى جانب معاناته بحكم القرائن الجامعة بين الحالين والصلات الرابطة بين الإحساسات الناجمة عنهما، فالقلق الذي ساد نفس الأعشى في إثر تعرضه للأسر جعله الشاعر نداً مساوياً للمشاعر المضطربة المنغصة التي تمور في وجدان الغريب الذي يخاف المجهول ويترقب المآل بحذر، بيد أن هذه المشاعر المفزعة لم تطل بالأعشى فقد حلّت عقدته بدخول الممدوح عليه (قيس بن معد يكرب) وأنقاذه من ربقة الأسر قائلاً:
فيا ليلةٍ ليَ في لَعْلَعٍ ... كطوفِ الغريبِ يخافُ الإسارا
فلما أتانا بُعيدَ الكرى ... سجدنا له وَ رفعنا عُمارا [3]
(1) شرح ديوانه: 265.
(2) في النقد الأدبي (ضيف) : 145.
(3) ديوانه: 51.