الصفحة 353 من 392

الحسن بين الألفاظ، ومن هذا المنطلق ندرس الموسيقى الداخلية ونقف عن أهم ظواهرها في شعر الخوف المتمثلة بتكرار الحروف وتكرار الألفاظ والتناسق الموسيقي بين اللفظة ومعناها.

فمن التكرار الحرفي المحاكي لانفعالات النفس الخائفة تكرار حرفي (السين، والشين) في قول عمرو بن معد يكرب:

لقيتُ أبا شأسٍ وشَأْساً ومالكاً ... وَقيساً فجاشتْ من لقائِهِمُ نَفْسي

كأن جلودَ النُّمرِ جِيبتْ عليهمُ ... إذا جَعْجَعُوا بين الإناخةِ والحبْس

ولما دخلنا تحت فيْءِ رماحِهِم ... خبطتُ بكفِّي أطلبُ الأرض باللَّمْس

وَ ليس يُعابُ المرءُ من جُبْنِ يومهِ ... إذا عُرِفتْ منه الشجاعة بالأمْسِ [1]

لم يأت تكرار الحرفين المذكورين اعتباطاً إنما جاء لخلق إيقاع داخلي يوحي بالخوف عن طريق همسهما [2] ، فهما يتناغمان فيما بينهما في بنية واحدة، وقد ساعدت الأصوات (الجيم، الفاء، الخاء) المهموسة في تعميق الإيقاع الداخلي بموسيقاها فضلاً عن دلالة الروي التي لازمت المقطوعة معبرة عن حيرة الشاعر وخشيته من العار، تلك الخشية التي عبرّ عنها همساً، ولولاها لجهر الشاعر بما أراد عندما تحدث عن قوة الأعداء وكثرة عددهم ليسوغ لنفسه الفرار الذي عيب عليه وأضطر معه إلى استرجاع سيرة الماضي المجيد تعويضاً عن الراهن المعيب.

فالشاعر حين يسعى في عمله الفني إلى خلق ضرب من التوافق بينه وبين العالم الخارجي يتوفر على الإيقاع الموسيقي ليتم له المراد [3] ، وتتجلى القيمة الإيقاعية العالية للحروف من خلال ترديد حرف التاء في قول النابغة الذبياني:

أتاني أبيتَ اللَّعْنَ أنَّك لُمْتَني ... وتلك التي تَسْتَكُّ منها المسامعُ

مقالة أنْ قد قلتُ: سوف أَنالُهُ ... وَ ذلك من تلقاءِ مثلك رائعُ

(1) ديوانه: 119، وينظر: ديوان أوس بن حجر: 51 - 52، حيث تنسب له الأبيات أيضاً.

(2) ينظر الحروف: 134، ومنهج البحث النحوي بين التراث وعلم اللغة الحديث: 69.

(3) عضوية الموسيقى في النص الشعري: 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت