الصفحة 354 من 392

لعمري و ما عمري عليَّ بهيِّنٍ ... لقد نطقتْ بُطلاً عليَّ الأقارعُ

أقارعُ عوفٍ لا أحاولُ غيرها ... وجوهُ قرودٍ تبتغي من تجادعُ

أتاك امرؤٌ مستبطنٌ ليَ بِغْضَةً ... له من عدوٍّ مثل ذلك شافعُ [1]

إن الاعتذار يصدر عن نفس قلقة، لذا تظل لغته مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتلك النفس فتأتي متسمة بتراجيع ونبرات تجسّد التوسل وتستحضر الإنفعال الكامن في الأعماق فتبدو آثار ذلك في لسان الشاعر المتلكئ المتلعثم بترديد التاء والإلحاح على إعادتها مرة بعد أخرى، فلم تأت هذه التاء المكررة ست عشرة مرة في أبيات النابغة السابقة جزافاً إنما هي صورة لحركة النفس أودعها الشاعر في نسيجه الشعري فتلون النطق بالاضطراب لاضطراب الحالة الوجدانية للمتكلم [2] .

وينقل إلينا الممزق العبدي أصداء نفسه الخائفة من غزو عمرو بن هند لعبد قيس من خلال تكرار حرف القاف ست مرات في بيتين له قائلاً:

أرِقتُ فلم تخدعْ بعينيَّ وسْنَةٌ ... ومن يلقَ ما لاقيت لا بدَّ يأرق

تبيت الهمومُ الطارقاتُ يعُدْنَنَي ... كما تعتري الأهوالُ رأسَ المُطَلَّقِ [3]

إن هذا التكرار لحرف القاف يشكل صورة نغمية تسهم في جلاء الأجواء النفسية للشاعر ورصد حركة شعوره في ظل محنته، فميل الشاعر إلى تكرار هذا الصوت الشديد يتلاءم مع شدة مكابدته من قلق يلازمه وأرق لا يبرحه، فقد أحكم الشاعر الصلة بين جرس الحرف الظاهر وصدى الإنفعال الباطن [4] الذي بدا في مظهرين من مظاهر الخوف، هما: الأرق والقلق، فبذلك ضمن استجابة المتلقي وما عقب ذلك من سلوك تمثل في قبول الملك استعطافه. وانصرافه عن عزمه، وعدوله عن قرار غزوه الذي كان مبعث أرق الشاعر ومثير قلقه.

(1) ديوانه: 34 - 35.

(2) ينظر: اللغة وعلم النفس: 235.

(3) الأصمعيات: 164.

(4) الشعر كيف نفهمه ونتذوقه: 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت