الصفحة 355 من 392

إذا راعَ روعَ المَوْتِ راع وإن حمى ... حمى معه حُرٌّ كريمٌ مصابرُ [1]

لقد تكرر (راع) مرتين فضلاً عن مصدره (روع) وقد أسهم هذا التكرار اللفظي في تأكيد دلالة الخوف وتعميق معناه تجاه الموت، وقد تضافر مع التكرار اللفظي تكرار العين ثلاث مرات والراء بفخامته ست مرات ليخلقا أجواء الفزع والجزع والغثيان في النفوس، فدلالة الأصوات تلك تعبر عن حيرة ممتدة بين الصوت والمعنى [2] .

ومن التكرار اللفظي أن يعمد الشاعر إلى إقامة الصلة الرابطة بين لفظة مرت في صدر البيت وأخرى تجانسها في عجزه لا شاعة التنغيم في نسيجه الشعري، وهذا ما ذهب البلاغيون القدماء إلى تسميته بـ (رد العجز على الصدر) ومن أمثلة ذلك رد (تفاديا) على (تفاديتم) في قول عنترة:

تفادَيْتُمُ أستاهَ نيبٍ تجمَّعتْ ... على رِمّةٍ مِنَ العظام تفاديا [3]

لا شك في أن لفظة (تفاديا) المرتبطة بـ (تفاديتم) معنوياً وموسيقياً قد أعادت إلى ذهن المتلقي الصورة الإيقاعية لكلمة مرت به من قبل، وبهذا الاسترجاع للوحدة الموسيقية تم تأكيد دلالة الفزع الذي اعترى أعداء الشاعر الذين أخذوا يحتمون ببعضهم ـ خشية وقع الرماح ـ احتماء الضعيف بالضعيف الذي لا يعصم من الخوف.

ومن شواهد هذه الظاهرة الايقاعية تكرار لفظة (مالك) في قول قيس بن زهير:

أمالكُ: لا تأمَنْ فزارةَ واخْشَها ... فإنَّكَ إن تأْمَنْ فزازةَ هالكُ

أمالكُ: إنْ تحسب مُقامَكَ فيهمُ ... صواباً فقد أخطأتَ في الرأيِ مالكُ [4]

إن تكرار لفظة (مالك) هنا يأتي معادلاً للحالة الشعورية المشحونة بالحذر والتوتر والخوف على المنصوح من خطر الإقامة في كنف قوم لا يؤمن جانبهم، وقد اقترن هذا التكرار بفعلين صريحين جاءا

(1) شعره: 86.

(2) ينظر: التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن: 45 - 49.

(3) ديوانه: 225، وينظر: شعر قيس بن زهير: ق 19 ب 2/ 52، والأصمعيات: ق58 ب 1/ 164.

(4) شعره: 52، وينظر: الأصمعيات: ق 58 ب 1/ 164.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت