للتخويف والتحذير أحدهما بصيغة النهي (لا تأمن) والثاني بصيغة الأمر (اخشها) وقد رفدت الصيغتان التكرار بفيض جديد عمّق دلالة الخوف وجسد الاحساس المستكن لدى المتكلم، فتكرار مالك حمل أصداء أمر مخيف فضلاً عن الإيقاع الزاخر الذي كشف عن رهافة حس الشاعر ومقدرته في إغناء أدائه الموسيقي بالدلالات المعبرة عن التجربة الشعورية المقرونة بالتوجس والحذر، فالتكرار إلى جانب الثراء الإيقاعي الذي نشأ عنه أوحى باهتمام المتكلم بالمكرر ذلك الاهتمام الذي برز جلياً في خشيته عليه من المكروه والأذى فأعرب عن الحذر مظهراً من مظاهر الخوف معبراً عنه باللفظ المنغم والإيقاع المنتظم.
إن التكرار اللفظي وسيلة تعبيرية ذات غناء تزيد فن القول روعة وفضل إيحاء وتوكيداً إذا أحسن استخدامها، بيد أنها تخرج عن عالم العفوية إلى مجال الصنعة إذا سيقت سوقاً تعسفياً، فهذه مفردة (ذُهل) المكررة في قول المهلهل تكراراً اشتقاقيا تبعث على غير قليل من الملل والإعنات على الرغم من تأكيدها الإحساس المذهل بالخوف الذي أطبق على أعداء الشاعر:
ثم مِلنا على ذُهيلٍ فأضحتْ ... ذاهلاتٍ عقولُ ذهلٍ ذُهولا [1]
وقد تعبر اللفظة عن معناها وتصوره بجرسها فيحدث بذلك تناسق موسيقي بينهما على نحو ما في لفظة (خيِّس) في قول النابغة الذبياني:
ولا أرى فاعلاً في الناسِ يُشبهه ... ولا أُحاشي من الأقوامِ مِنْ أَحَد
إلاَّ سليمانَ إذْ قال الإلَهُ لَهُ: ... قُمْ في البرية فَاحْدُدْها عَنِ الفَنَد
وخيِّسِ الجنَّ، إنّي قد أذِنتُ لهم ... يبنون تَدْمُرَ بالصُّفَّاحِ والعَمَدِ [2]
فالشاعر يصف ممدوحه المشبه بسليمان الذي لان له الجن وانصاع لإرادته فاختار لذلك لفظة (خيِّس) التي تعني حمل المأمور على التذلل والإنقياد فإرادة سليمان الذي تسخر الجن إرادة مخيفة مطاعة أخوف من قوة الجن الذي أشيع عنه العنف وفعل الخوارق بارادته، بيد أن ذلك الجن أصبح خاضعاً لإرادة سليمان مذعاناً لأوامره، فلفظة (خيِّس) بجرسها استوعبت هذه المعاني الدالة على التذلل والاستكانة والرهبة
(1) المهلهل بن ربيعة التغلبي، حياته وشعره: 322.
(2) ديوانه: 20 - 21.