الصفحة 357 من 392

من أمر عظيم، وقد حملت الدلالتين الموحيتين بالانفعال المضمر والظاهر، فدلالة اللفظة مقرونة بدلالة الصوت والدلالتان باتتا موازيتين لدلالة الموضع المراد تجسيده، ومن هنا يمكن القول إن الشاعر الذي يصور المخاوف ينتفي مفرداته المصورة لمعانيه فهو لا يختار مفرداته جزافاً ولا موسيقاه إعتباطاً وقد يكون اللفظ نفسه بما له من وقع صوتي معين عاملاً من عوامل التأثير العاطفي للمعنى، فالمعروف أن بعض الأصوات وبعض التراكيب الصوتية ذات قوة تعبيرية عن المعنى [1] ، وتلك القوة تأتيها عن طرق المحاكاة بين موسيقاها والمعنى المراد [2] .

أما الإيقاع العروضي في شعر الخوف فهو خاضع للوزن العام للقصيدة فإذا نُظمت القصيدة في الهجاء أو في الفخر مثلاُ على البحر البسيط فإن الشعر المعبر عن الخوف فيها يشكل جزءا من تلك القصيدة وتجري على وفق بحرها المذكور، ويأتي البحر الطويل في مقدمة تلك البحور فحينما أراد النابغة امتصاص غضب النعمان لاذ بالبحر الطويل:

كتمتُكَ ليلاً بالجَمُومَيْنِ ساهراً ... وهمَّينِ همَّاً مُسْتَكِنَّاً وظاهِرا

أحاديثَ نفسٍ تَشْتكي ما يريبها ... وَوِرْدَ همومٍ لن يجِدْنَ مصادرا

تكلِّفني أن يغفل الدهرُ همها ... وهَلْ وجدتْ قبلي على الدهر قادرا [3]

فالهم يبدو جاثماً على صدر المبدع لأنه أمام أمر جليل يأتي به الدهر الذي لا حول لأحد عليه، فما يعانيه الشاعر من شدة يتناسب مع ما في البحر الطويل من قوة وجلال ومهابة بدلالة النفس الباحثة عن الاستقرار:

رأيتُك ترعاني بعينٍ بصيرةٍ ... وتبعثُ حُرّاساً عليَّ وناظرا [4]

لأن ما ملئتْ به أذن متلقيه من دس ووشاية جعلته مستوعباً الحدث الخطر:

(1) دور الكلمة في اللغة: 34 - 35.

(2) الخصائص: 2/ 159.

(3) ديوانه: 67.

(4) نفسه: 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت