وذلك من قولٍ آتاك أقوله ... ومن دس أعدائي إليك المآبرا [1]
فالتوسل الذي استوعبه الطويل صار سبيلاً للغاية ومعيار ذلك التوسل ـ كما يبدو ـ حرف التاء الذي يشكل التلكؤ في الكلام من خلال الحبسة المؤقتة:
فآليتُ لا آتيك إنْ جئت مجرماً ... ولا أبتغي جاراً سواك مجاورا [2]
إن القيمة الايقاعية للبحر الطويل واضحة في التعبير عن الخوف، وقد استوعب بتفعيلاته مشاعر القلق والرهبة [3] ، ذلك البحر الذي كان أكثر البحور استئثاراً بموضوعات الشعر العربي القديم [4] .
وللبسيط قيمة إيقاعية تضارع الطويل وقعاً، وتبدو تلك القيمة في تقرير الحال المفعمة بالوساوس والقلق، فالوعيد والتهديد يبعثان القلق ويفضيان إلى الأرق لأن الرهبة تبقى ملازمة للذات حتى تجد ضالتها فيما يمنحها الاستقرار وقد جسّد النابغة ذلك في الوعيد الذي تلقاه من أبي قابوس:
أُنبئتُ أن أبا قابوسَ أوعدني ... ولا قرارَ على زَأْرٍ مِنَ الأسد
مهلاً فداءً لك الأقوامُ كلُّهُمُ ... وما أُثّمرُ من مالٍ ومن ولَد
لا تقذفنيّ بركنٍ لا كِفاءَ له ... وإن تأثَّفَكَ الأعداءُ بالرِّفَدِ [5]
والبسيط بجلبته ورقته استوعب الشكوى المرة التي جأر بها ساعدة بن جؤية ذوالنفس القلقة المتألمة:
يا ليت شعري: ألا منجى من الهرمِ ... أم هل على العيش بعد الشيب مِنْ نَدَم
وَالشيبُ داءٌ نجيسٌ لا دواءَ له ... للمرءِ كان صحيحاً صائبَ القُحَمِ [6]
(1) نفسه: 69، المآبر: جمع المئبرة: وهي النميمة.
(2) نفسه: 69.
(3) ينظر: ديوان امرؤ القيس: 48، 77، وديوان عدي بن زيدالعبادي: 107، وديوان الأعشى: 115، 373، والمفضليات: 185، وشعر بكر بن وائل قبل الاسلام: 345.
(4) الفصول والغايات: 266، وموسيقى الشعر:59،وشعر أوس بن حجر ورواته الجاهليين: 508، وفن التقطيع الشعري والقافية: 43.
(5) ديوانه: 26.
(6) ديوان الهذليين: 1/ 191، وينظر: ديوان النابغة الذبياني: ق 67 ب 5 - 6/ 206،و ق 9 ب 1 - 6/ 75 - 76، وديوان امرؤ القيس: ق 66 ب 1 - 2/ 279، وق 74 ب 10 - 11/ 301.