فهرس الكتاب
أرى
إنّ شمولية الموت تخفف من وطأته على الفرد لأن الموت حادث كلي كلية مطلقة من ناحية، وجزئي شخصي جزئية مطلقة من ناحية أخرى، فالكل قانون، ولكن كلًا منا يموت وحده، ولا بد أن يموت هو نفسه، ولا يمكن أن يموت آخر بديلًا عنه [1] .
إنّ حب السلامة يحفز الإنسان ـ حين تجابهه الأخطار ـ إلى أن يهرع إلى وسائله المتاحة ليحتمي بها من تلك الأخطار، أو ليقي نفسه شرّها، ولا شك في أن الموت أخوف هذه المخاوف وأفزعها، وقد علّمت التجارب الشاعر أن لا مناص من الموت، وأن الفرار منه والتحصن ضدّه محاولة ميئووس منها، لأنها لا تنجد مكروبًا، ولا تغير واقعًا، ولا تصون حياة، وقد صيغت هذه الحقيقة حكمة خالدة على لسان الشاعر زهير بن أبي سلمى في معرض تحذيره من قبول الهوان والذلة مخافة الموت الذي لا يحول التحوط بينه وبين مبتغاه، إذ يقول:
ومن هاب أسبابَ المنايا يَنَلْنَهُ ... ولو نال أسبابَ السّماءِ بسّلمِ [2]
ولم تكن هذه القناعة غائبة عن المثقب العبدي حين أرسل فكرتها جلية، بقوله:
لا ينفع الهاربَ إيغالُهُ ... ولا ينجيّ ذا الحذارِ الحذارْ [3]
(1) الموت والعبقرية: 6.
(2) شرح ديوانه: 30.
(3) ديوانه: 275، وينظر: ديوان عنترة: ق 6 ب 17 - 19/ 251.